فيلم "تذكر" لا يصيب بل يطلق رصاصة فارغة في الهواء

موضوع الهولوكوست الذي يفرض نفسه بشكل روتيني على كل مهرجانات السينما في العالم، فرض نفسه أيضا على مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الـ72، والتي شارك فيها فيلم "تذكر" للمخرج الكندي أرمني الأصل أتوم إيغويان، وإن لم يكن له نصيب من جوائز المهرجان، ثم جاء الفيلم إلى مهرجان لندن السينمائي في دورته الـ59، حيث بدا المخرج غير موفق في تذكره لهذه الأسطورة الممجوجة.
الجمعة 2015/10/16
فيلم ينبني على مبالغات خرافية وتلفيقات وادعاءات متكررة

لا شك أن أحد الشروط الأساسية في عمل أي فيلم سينمائي هو أن يتمتع بالمصداقية، أي القدرة على الإقناع، سواء كان الفيلم خياليا أو مستندا إلى أحداث حقيقية. والواضح أن الفيلم الجديد “تذكر” للمخرج الكندي أرميني الأصل أتوم إيغويان، الذي ولد ونشأ على أرض مصر، يفتقد إلى هذا الشرط الأساسي.

وبدلا من أن يقدم أتوم إيغويان فيلما يناسب ذكرى مرور 100 عام على مذابح الأرمن (1915)، يمد تجربته في فيلمه الشهير “أرارات” (2003) على استقامتها ويحفر في الذاكرة الجماعية لأجيال من الأرمن الذين نشأوا في ظلال المأساة، يختار إيغويان بدلا من ذلك، أن يخرج فيلما جديدا يضاف إلى التراث السينمائي الطويل من “أفلام الهولوكوست”، أي أنه يفضل الخيار الأسهل الذي يكفل له تمويلا جيدا وتسويقا أميركيا، خاصة وأنه يستعين بالممثل الكبير كريستوفر بلامر في دور يعتبر تحدّيا بالنسبة إلى أيّ ممثل بغض النظر عن مشاكل السيناريو.

وقد أراد إيغويان أن يقدّم فيلما عن “الانتقام” دون أن تتوفر له مقومات أفلام الانتقام على النمط الأميركي المعروف، سواء في قالب الويسترن أم القالب البوليسي الحديث، بسبب محدودية خيال السيناريو وروتينية أحداثه، وتسلسله الرتيب وتقليدية بنائه.

القربان المقدس

يصرّ السينمائيون في الغرب على تقديم قربانهم المقدس لآلهة الهولوكوست في شركات الإنتاج والتوزيع الكبرى في العالم الغربي، حتى يضمنوا تمويلا وتوزيعا وترويجا لأفلامهم دون بذل أيّ جهد سوى البحث عن مادة للموضوع من أيّ زاوية، حتى لو كانت متخيلة تماما شأن فيلمنا هذا.

موضوع الهولوكوست وقصصه المليئة بحكايات تشبه حكايات الجن والعفاريت التي كانت ترويها لنا جداتنا ونحن أطفال صغار، انقشعت وانكشف ما فيها من مبالغات خرافية وتلفيقات وادّعاءات متكررة، وصلت إلى حدّ القول بأن الألمان كانوا يصنعون الصابون من شحم اليهود، بالإضافة إلى التراجع الكبير الذي حدث في أرقام الضحايا الذين قيل إنهم قضوا نحبهم من خلال آلية “غرف الغاز”، والتي قيل إنها كانت تقتل ألفي شخص في معسكر أوشفتز وحده كل ساعتين لمدة عامين ونصف العام.

لولا وجود الممثل العملاق كريستوفر بلامر في الدور الرئيسي لما نجح الفيلم في إثارة الاهتمام

وقد أثبت البروفيسور الفرنسي روبير فوريسون بالأدلة العملية والعلمية منذ أكثر من 35 عاما استحالة وجود غرف غاز في معسكر أوشفتز، إلاّ أن الأسطورة عاشت واستمرّت، ولكن ليس على صعيد العلم والبحث التاريخي، بل على صعيد صناعة الخيال: الروائي والسينمائي.

ورغم أن إدوارد سعيد كان من أنصار الاعتراف بالهولوكوست لجعل العالم يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، إلاّ أن البروفيسور الأميركي (اليهودي) نورمان فنكلشتاين وصف الهولوكوست بأنه تجارة وصناعة يهودية يقصد بها ابتزاز العالم وتحقيق مكاسب مالية ضخمة وتبرير وجود إسرائيل، حتى بعد أن كشف النقاب عن أن معظم القصص والمذكرات التي نشرت باعتبار كتابها من “الناجين” من معسكرات الإبادة، كانت مزيفة.

كتبها أشخاص منهم من لم يسبق لهم المرور بتجربة الاعتقال، ولم يعرفوا شيئا عن أوشفتز، إلاّ بعد الحرب العالمية الثانية، عندما قاموا بزيارته كمتحف سياحي وشاهدوا نموذج غرفة الغاز الذي شيّد عام 1949، أي بعد 5 سنوات على نهاية الحرب.

يقوم فيلم “تذكر” على إشكالية شديدة الحساسية تتعلق بفكرة الانتقام اليوم ممن كانوا ضالعين من الألمان النازيين، في التصفية الجسدية لليهود قبل 70 سنة. ورغم أن الفيلم يدعم فكرة الانتقام اليهودي من الجلادين، ولو بعد مرور عشرات السنين، بدعوى أن العالم لا يجب أن ينسى أو يغفر قط، ورغم أن الألمان المقصودين الذين يفترض أنهم مازالوا على قيد الحياة، أصبحوا في سن لا يصلح معها تطبيق عقوبة الإعدام.

ومع ذلك فإنّ بطل الفيلم الذي يفترض أنه يهودي من الناجين من أوشفتز ويدعى زيف غوتمان -وهو في نهاية الثمانينات من عمره- يقرر بعد وفاة زوجته، أن ينتقم بتشجيع ودعم من زميله اليهودي المسن والمقعد الذي يتحرك بكرسي متحرّك ويدعى ماكس، هو الذي يقدم له المال والخطة التفصيلية والتعليمات المكتوبة، لكي يذهب للبحث عن ضابط ألماني سابق في قوات الـ“إس إس” النازية، يدعى رودي كورلاندر يزعم أنه المسؤول عن قتل عائلتيهما في أوائل الأربعينات من القرن الماضي.

أسطورة الهولوكوست استمرت ليس على صعيد العلم والبحث التاريخي، بل على صعيد صناعة الخيال الروائي والسينمائي

من أجل تحقيق مهمته، يستقل زيف القطار إلى مدينة أميركية، حيث يشتري مسدسا بمنتهى السهولة، وتنفتح أمامه السبل ببساطة، ويساعده الجميع وييسرون له مهمته، فضابط الجوازات على الحدود الكندية يسمح له بالعبور بجواز سفر منتهي الصلاحية، وضابط الأمن في السوبر ماركت حيث ذهب لشراء ملابس جديدة، يتركه يعبر بالمسدس الذي يحمله ممازحا إياه بقوله: إنه يذكرني بمسدسي الأول.. ههه!

وهكذا ينتقل زيف من كندا إلى أوهايو ثم إلى إيداهو وينتهي في كاليفورنيا، ففي كل مرة يعثر على رودي كورلاندر يكتشف أنه عثر على الرجل الخطأ، فمرة يكتشف أن من وجده يهوديا (مثله!)، ومرة أخرى يكتشف أن الرجل توفي قبل أسابيع قليلة، وأن ابنه ضابط في الحرس الوطني الأميركي، وأنه يحتفظ بكل العلامات والملابس والأعلام النازية التي كانت لوالده (النازي الهارب)، ويفترض الرجل أن زيف نازي كان زميلا لوالده وصديقا له، فيستقبله ويطلعه بفخر على كل متعلقات والده من الذكريات ومنها ألبوم الصور القديمة من المرحلة النازية، وعندما يكتشف الحقيقة يحاول قتله، لكن بطلنا العجوز يتمكن من إطلاق الرصاص عليه، ثم يهرب.

هنا بالطبع تتاح فرصة أمام الفيلم لكي يقول لنا إن في أميركا الكثير من النازيين الجدد المتعصبين أبناء وأحفاد النازيين القدامى وأنهم يكرهون اليهود.

كل هذه المغامرات لا تدع لك أدنى فرصة للتساؤل عن تلك القوة البدنية واللياقة الفائقة التي تسمح لزيف بالتحرك والمناورة والانتقال والسفر، رغم أننا نراه من البداية يعاني من ضعف الذاكرة، لدرجة أنه يستيقظ من نومه ليتخيل أحيانا أن زوجته موجودة في المنزل وأنه يتحدث إليها. كما أنه يدون بعض المعلومات على ذراعه لكي لا ينساها، ويركز الفيلم من البداية على فكرة تراجع الذاكرة تدريجيا، لتبرير المفاجأة أو التحول الكبير في مسار الفيلم الذي سيكشف عنه في النهاية، ولا نرى بدّا هنا من الكشف عنه للقارئ، رغم أنه مقصود من جانب كاتب السيناريو بنجامين أوغست، في سياق التلاعب بالحبكة وتحقيق الإثارة، فماذا يحدث بالضبط؟

عندما يتمكن زيف أخيرا من الوصول إلى رودي كورلاندر المقصود، يعترف له الرجل بأنه كان زميلا وصديقا له فعلا في أوشفتز، ولكن كضابط نازي أي أن زيف كان نازيا، وأنه هو -أي زيف- رودي كورلاندر، ويهتز زيف بشدة، بينما يصرّ على اتهام الرجل بأنه رودي كورلاندر، وأنه قتل عائلته وأنه جاء للانتقام منه.

إن زيف يرفض الحقيقة بعد أن ظل يتقمص دور اليهودي الضحية طوال سبعين عاما ويعيش في جلد ضحاياه، ويحلم بالانتقام. ونعرف بالطبع أن ماكس كان يعرف الحقيقة من البداية، وأنه دفع زيف للبحث عن كورلاندر، لكي ينتقم منه.

ثغرات في السيناريو

رغم ما في السيناريو من ثغرات عديدة ومحاولات للالتفاف حول الكثير من التفاصيل، إلاّ أنه يكفي أن يركز المتفرج على وضعية واحدة في تلك الحبكة لكي يسقط الفيلم بأكمله، فكيف تأتي أن يوشم ذراع -زيف- كورلاندر مثلا، برقم الاعتقال في أوشفتز، وهو الألماني النازي؟

وفي المقابل لا يبدو مخرج الفيلم مهتما بالإقناع بقدر اهتمامه بالفكرة المجردة التي تكشف أن الضحية هو في الأصل الجلاد ذاته، وهي فكرة تبرز من ثناياها تساؤلات أخرى تتعلق بكل ذلك الحقد الراسخ المستقر الذي يبقى محركا لدوافع الانتقام لأكثر من سبعين عاما، حتى بعد أن يكون الجلاد المفترض قد أصبح مشرفا على الموت الطبيعي بفعل أمراض الشيخوخة، ولماذا يحرص الفيلم على تأجيج ثقافة الانتقام والعنف؟ ويجعل رجلا كهلا يحمل مسدسا ويمتلك أيضا القدرة على المبادرة السريعة بإطلاق النار ببراعة على ضابط يصغره كثيرا في العمر، يفترض أنه مدرب تدريبا جيدا، فيصيبه في مقتل.

الحصيلة أن فيلم “تذكر” لا يصيب بل يطلق رصاصة فارغة في الهواء، ولولا وجود الممثل العملاق كريستوفر بلامر في الدور الرئيسي لما نجح الفيلم في إثارة الاهتمام، فهو يكسب الدور الكثير من المصداقية، رغم ما يفتقده الفيلم عموما من صدق وقدرة على الإقناع.

16