فيلم "حبس انفرادي" رحلة مستقبلية في الفضاء الخارجي لشخصيات متمردة على القانون

الفيلم يستعرض مغامرة ثنائية لرجل وامرأة تم الدفع بهما في داخل كبسولة فضائية في زمان ومكان مجهولين.
الاثنين 2020/11/23
كبسولة فضائية مليئة بالمفاجآت

لا شك أن المستقبليات وشكل الحياة في الزمن الآتي لا تزال موضوعا مفضلا في سينما الخيال العلمي التي تستلهمها من الأدب. ومن هنا تحضر التطوّرات الهائلة في نمط الحياة مقابل الخراب الذي يكون قد ضرب الأرض بسبب الحروب أو الأوبئة أو ثورات الطبيعة.

في مستقبل يمتد إلى قرابة ثلاثين عاما من الآن، يعالج فيلم “حبس انفرادي” للمخرج لوك أرمسترونغ ثيمة المستقبليات وشكل الحياة في الزمن القادم، حيث تصبح الأرض غير صالحة للسكنى لأسباب شتى، وحيث يجري استكشاف مجرات وأماكن أخرى نائية لغرض نقل البشر إليها.

في موازاة ذلك سوف يكون إسحاق (الممثل جوني ساتشون) هو أحد ضحايا الواقع الجديد، وببساطة شديدة، سوف يجد نفسه في داخل صندوق هو أقرب إلى كبسولة فضائية في زمان ومكان مجهولين.

يفتتح الفيلم بمشهد مطاردة يقع فيه إسحاق بين أيدي مجموعة مسلحة، يبدو أنها هي التي سوف تقوده إلى مصيره الجديد، حيث يتم اختياره من بين الكثيرين لخوض المغامرة وإثبات إمكانية العيش في الفضاء الخارجي من عدمه.

والحاصل أن الاختيار يقع في الغالب على شخصيات يمكن التضحية بها، ومنهم الذين اقترفوا جرائم أو لديهم سجل إجرامي، وهكذا سوف تنضمّ آلانا (الممثلة لوتي تولهرست) إلى تلك الرحلة، حيث سوف يلتقي الاثنان في تلك الرحلة من دون معرفة مسبقة ببعضهما البعض.

واقعيا، سوف نتابع أحداثا في حدود مساحة مكانية ضيقة على افتراض أنها مركبة تسبح في الفضاء الخارجي، وبذلك يتم التركيز على الحوار من جهة ومشاهد العودة إلى الماضي من جهة أخرى، لغرض إيصال المعلومات إلى المشاهد.

نظرات ريبة وتحفّز من المجهول
نظرات ريبة وتحفّز من المجهول

كان ذلك الحيز المكاني المحدود كافيا لتأطير الأحداث وصعوبة الخروج منها بإضافات تعزّز الدراما وتدفع بالأحدث نحو تصعيد جديد بإضافة حبكات ثانوية، لكن بدء الشخصيتين المتعارضتين في الكشف عن ماضيهما كان كافيا لتطوّر الدراما الفيلمية.

سوف نكتشف خلال ذلك أن إسحاق يتحمل تبعات أخطاء صديقته التي وقعت في خلاف مع زعيم إحدى العصابات، فلم يكن أمامه سوى إبعادها إلى مدينة نائية وتحمّل تبعات ما قامت به، ومن هناك سيضطر إلى ارتكاب جريمة قتل لم يكن يقصد ارتكابها.

من جهة أخرى، سوف نكتشف أن آلانا لم تكن إلاّ مدمنة على المخدرات وأن لديها دوافع انتقامية ضد أشخاص تعرضوا لأمها فتقوم بالانتقام منهم، ونشاهد سلسلة من عمليات القتل بدم بارد ترتكبها في حق العديد من الأشخاص.

هنا سوف تلتقي الشخصيتان في أزمات متشابهة تدفعان ثمنها، ومهما حاولت آلانا التقرّب أكثر من إسحاق إلاّ أنها تفشل في كل مرة، حيث بدت شخصيته سلبية ومتذبذبة على عكس آلانا التي بدا واضحا أنها تعرف ما تريد.

يعمد المخرج في ما بعد إلى نقلنا إلى نوع من الصراع الذاتي بين الشخصيتين يدفع بهما إلى مواجهة غير متوقعة، وخاصة إدعاء آلانا على إسحاق بأنه أحرق المركبة الفضائية وما إلى ذلك.. وكل هذا قبيل ساعات من عودتهما من المهمة الفضائية.

إلى هذه المرحلة من البناء الدرامي، لا شك أننا سوف نفتقد إلى عنصر التشويق الكافي الذي يجمّل ذلك الصراع ويمنحه بعدا إنسانيا، فحتى علاقة إسحاق بصديقته بقيت في حكم المجهول، لأنها لم تظهر قط، ولم يكن هناك إلاّ صوتها من خلال حوار عبر الهاتف دار في ما بينهما.

تبدو إشكالية بحث الشخصيات عن مخرج من مأزقها قد تحوّلت إلى ثيمة أخرى ببثّ حبكات ثانوية جعلت الشخصيتين على مستوى متقارب من السلبية، وباتجاه الوصول إلى أهدفهما أو في الأقل الخروج من المأزق الذي هما فيه.

وفي وسط تلك الدراما، بدا أن كلتا الشخصيتين قد وقعتا في مربع عصابات أخرى تتحكم بمصائر البشر، وهو قسم مهم في البناء الدرامي لم يتم تسليط الضوء عليه بما يكفي، إذ لم يكن مشهد البداية قد أعطى ما يكفي من معلومات حول واقع الحياة تحت تلك المافيات.

ولا شك أن كون الفيلم من نوع الأفلام قليلة التكلفة واعتماده على حيز مكاني ضيق، قد منح المخرج فرصة إضافية لإيجاد مداخل أخرى للحبكة الدرامية كي يخرج من خلالها بحصيلة تتعلق بنمط تلك الحياة المستقبلية، لكنه لم يول ذلك الأهمية الكافية، ولهذا بقي تركيزه على الشخصيتين وهما في أزمتيهما.

وأما إذا عدنا إلى نوع الاكتشاف الذي غالبا ما تحفل به الأفلام المستقبلية أو ذلك النوع من الأفلام التي تخوض في الفضاءات الخارجية، فإن هذا الفيلم لم يول هذا المحور الكثير من الاهتمام، ولم يقدّم حبكات ثانوية تعزّز البناء الدرامي وتنقل مستويات الصراع إلى ما هو أبعد من الحوارات بين الشخصيات.

في المقابل، اتجه المخرج نحو تأجيج الصراع بين الشخصيتين كبديل عن نزعة الاكتشاف التي كنا في انتظارها، وبذلك ضعفت مساحة الدهشة أو متعة الاكتشاف المعتادة التي يحتويها هذا النوع من الأفلام.

16