فيلم "حظر تجوال".. لا شيء مسكوتا عنه سوى مشاهد ضئيلة

قصة درامية ينقصها التعمق في الموضوع المطروح وتجاوز السطحية.
الأحد 2021/02/07
علاقة إشكالية معقدة تطرح الكثير من الأسئلة

حظر تجوال وإغلاق في مقابل استنشاق هواء الحرية، هما حالتان متوازيتان ونحن في القاهرة عام 2013 وحظر التجوال يدهم الناس ويلزمهم مساكنهم بسبب الاضطرابات السياسية آنذاك، وعلى الجهة الأخرى هنالك امرأة سوف تخرج من خلف قضبان السجون بعد عقدين قضتهما هناك.

الحالتان سوف تحتلان المساحة الأهم في هذا الفيلم للمخرج وكاتب السيناريو أمير رمسيس، الذي يقدم صورة شديدة الواقعية ليوميات حياتية أبطالها أناس عاديون من عامة الشعب يتشاركون الهمّ والقلق ذاتهما وتمر خلال ذلك حياتهم اليومية رتيبة ثقيلة.

تخرج فاتن (الممثلة إلهام شاهين) من السجن، وتجد في انتظارها شخصين لا نستطيع أن نتبين للوهلة الأولى ما صلة القرابة التي تربطها بهما وهما ليلي (الممثلة أمينة خليل) وهي ابنتها وهناك أيضا زوج ابنتها الطبيب أحمد (الممثل أحمد مجدي) وعند هذا المشهد تلتبس العلاقة بين المرأتين إذ تبدو ليلى متوجسة كثيرا من فاتن وتتحاشاها ولم تبادلها العناق ولا نفهم لذلك سببا مباشرا.

تتكشف تدريجيا طبيعة العلاقة بين الأم الخارجة للتوّ من السجن وبين ابنتها، علاقة إشكالية معقدة وتطرح الكثير من الأسئلة أكثر مما تجيب عنها، حتى تحوّلت تلك العلاقة إلى عقدة على الأقل بالنسبة إلى ليلي وأما بالنسبة إلى الأم فهي ترى في ذلك شرّا لا بد منه وأنها مجبرة على دفع الثمن بالمكوث يوما وليلة في منزل الابنة وزوجها.

اللافت إلى النظر هنا ليس تلك الأحداث الروتينية اليومية للشخصيات ولا القصة التي بدت مفتقرة إلى حكايات ثانوية جيدة تصعّد الدراما الفيلمية، وإنما مسألة الإحساس بوطأة الزمن إذ بدت تلك الليلة طويلة ثقيلة ممتدة، تكشفت فيها حياة كائنات الليل التي يجمعها حظر التجوال الإجباري ويشل حركتها.

وامتدادا لذلك وخلال تلك المساحة الزمنية، التي هي أبعد من مجرد يوم وليلة، سوف تتبلور علاقة الأم بالابنة من خلال اتهام مباشر أدى إلى الكراهية بسبب قتل فاتن لزوجها، ولكن من دون الإفصاح عن السبب.

صورة واقعية ليوميات حياتية
صورة واقعية ليوميات حياتية

خلال تلك المساحة الزمنية هنالك مجتمع الهامش، ثلة من الشباب والفتيات الذين يعتلون السطوح لكي يتفادوا حظر التجوال مطلقين صوت مكبر الصوت إلى أقصاه، وهو ما سوف تتصدى له فاتن وتردع أولئك الشباب.

في المقابل هنالك العلاقة الملتبسة الأخرى بين فاتن وجارها الذي تسبب له مرض السكري بمشكل في المشي، وهو يسترجع الماضي في تقرّبه من فاتن ومن ثم زيارتها ومن ثم طرده من المنزل وسط غضب ليلى، الرجل المثقل بالشيخوخة لا نعلم تحديدا نوع علاقته بفاتن وما قصة دفاعه عنها.

أما التحول الدرامي الأساسي فيكمن في أن قضية الفيلم الأساسية هي الاعتداء الجنسي على ليلى من طرف أبيها وهي طفلة، وهو ما سوف تكتشفه فاتن، فتندفع لمعاقبة الزوج بقتله والذهاب إلى السجن.

الملاحظ هنا أن الفيلم يفترض أنه يعالج قضية من القضايا المسكوت عنها وهي زنا المحارم، بينما الحقيقة أننا لا نتبين سوى إيحاء بتحرش جنسي لا يحتل من مساحة الفيلم إلا جزءا ضئيلا جدا، بينما العلاقات الاجتماعية بين الشخصيات احتلت المساحة الأكبر.

ويبدو ولأسباب نجهلها أن المخرج لم يتمكن من التوسع في إحساس ليلى واستجابتها وأثر التجربة الجنسية المبكرة عليها – إن وجدت – وأما رد فعلها من تقرب زوجها منها فقد بدا فيه الكثير من التكلّف.

وإذا عدنا إلى واقعية أداء الممثلين فنجد أن ليلى وزوجها يقفان على طرفين غير متناظرين، الزوج يتصرف بتلقائية وبردود أفعال منسجمة تماما، بينما ليلى تجد نفسها مشحونة نفسيا منذ البداية وأن عليها أداء دور نفسي من خلال أفعال متشنجة، وهو ما تكرر مرارا، وأما إذا طلب منها المزيد فسوف تظهر في مظهر انفعالي غاضب.

أما الحوارات التي طورت العلاقة بين فاتن وحفيدتها وقصة الحلوى التي أدت إلى إصابة الطفلة بالحساسية، فقد بدت مقنعة تماما، لأنها كانت سببا لانكشاف البعد الإنساني للعلاقة بين فاتن وابنتها، ومن جهة أخرى كيف تم تكييف شخصية الشاب صاحب “التكتك” الذي كان يعبث في السطح ويطلق الأغاني إلى شخص إيجابي يساعد في نقل الطفلة إلى المستشفى.

وكما ذكرنا فإن القصة الدرامية كانت بحاجة إلى المزيد من التعمق في الموضوع المطروح وتجاوز السطحية والعلاقات الشكلية التي ظهرت، وملامسة القضية الأساسية الإشكالية المطروحة وهي التحرش بالمحارم وما إلى ذلك والتعمق فيها وصولا إلى بناء نفسي متكامل وبالأخص في ما يتعلق بليلى.

على صعيد البناء المكاني والمناظر فقد بدا تأثير حظر التجوال واضحا، فنحن مع نمط الحارة الشعبية أو حي الطبقة المتوسطة وبدت الأماكن الضيقة واضحة بسبب التصوير في أماكن حقيقية، حيث الشقق السكنية الضيقة التي ضيقت بالتالي من التعامل مع المكان، وبذلك شحبت إلى حد كبير عناصر جمالية المكان، سواء في شقة ليلى وزوجها أو شقة الجار.

على صعيد الصوت والحوار والموسيقى التصويرية فإن هنالك الكثير من الصراخ والثرثرة في الحوار، في مقابل نجاح للموسيقى التصويرية بفضل تامر كرون الذي يبدع مرة أخرى إبداعا يضاف إلى أعماله الكثيرة السينمائية والتلفزيونية.

15