فيلم "حياة راقية" يوميات عنيفة لمنفيين إلى الفضاء الخارجي

الدراما الفيلمية تتشعب بين شخصيات الفيلم المحاصرة وسط عالم كابوسي شديد القسوة واللامبالاة بالمشاعر البشرية وتصبح قضايا الخلق والتكوين أهم محاور تلك الدراما.
الاثنين 2019/04/29
بلا أمل ولا مستقبل

لطالما ارتبط الفضاء الخارجي في سينما الخيال العالمي بفكرة المغامرة ونزعة الاكتشاف، ولأنه مكان حافل بالمجهول فإنه قابل لأن يجري تحميله بالكثير من المفاجآت والغرائب، وكل ذلك من أجل جذب اهتمام الجمهور العريض لمتابعة تلك الرحلة الشائقة.

فكرة المجهول لوحدها كافية لإسقاط الخيال السينمائي الواسع على قصص تتسع للمغامرة، في المقابل، ماذا لو تحوّل الفضاء الخارجي إلى منفى؟

المكان الأرضي الذي عرف عنه أنه يستقبل منفيين ومبعدين لأسباب شتى سوف يقابله هنا مكان فضائي سيؤدي الوظيفة نفسها في فيلم “حياة راقية” للمخرجة الفرنسية كلير دينيس، وهي نفسها مشاركة في كتابة السيناريو إلى جانب فريق من أربعة آخرين.

في البدء علينا أن نتحمل رتابة المشاهد الأولى التي تقدم لنا مونتي (الممثل روبرت باتنسون) بوصفه بطل الرحلة بلا منازع، وهو يمضي الوقت الثقيل مع طفلته الرضيعة، لنكتشف لاحقا تعقيدات وتلاعبا بالزمن وأننا لسنا على سطح الأرض، بل في بقعة ما في الفضاء الخارجي.

ونكتشف إثر ذلك، أن مونتي ليس وحده، وأن هناك ثلة من الشباب والشابات جميلي المنظر محكومون بالموت، ليتم نفيهم إلى الفضاء الخارجي بدلا من قتلهم لإجراء تجارب عليهم.

تتشعب الدراما الفيلمية بين تلك الشخصيات المحاصرة وسط عالم كابوسي شديد القسوة واللامبالاة بالمشاعر البشرية تقوده الدكتورة ديبس (الممثلة جوليت بينوش)، وتصبح قضايا الخلق والتكوين والحمل وتكوّن الأجنة والفتيات المحبطات والعاجزات عن الإنجاب هي محور آخر من محاور تلك الدراما.

ومع تقدم الدراما الفيلمية فإن ما يلفت النظر، هو إسراف المخرجة في التلاعب بعنصر الزمن، فهي تتنقل بمشاهدها بكل أريحية ما بين الاستذكارات وبين الحاضر وبين ذكريات ومشاهد أخرى حلمية افتراضية وتاليا كابوسية.

ولربما بدا الفيلم خلال ذلك أشبه بخليط من الثيمات المتعددة التي تعنى بمحاصرة الذات البشرية والمشاعر الإنسانية المحطمة والتي تتواتر خلالها فكرة الخلق والتكوين، لكن المخرجة تنجح في كل مرة في رسم تكوينات بصرية بارعة وإيجاد سجالات هامشية تنعش الدراما الفيلمية.

العالم المنغلق على نفسه
العالم المنغلق على نفسه

لكن من يبحث عن دراما فيلمية ذات مسار خطي مباشر وعن تتابع سردي يحمل قدرا من التشويق فلن يجد في هذا الفيلم ضالته، فهو فيلم يخرج عن إطار الشكليات في السرد والدراما ومسارات الشخصيات، وهو لا يكترث كثيرا لعنصر الزمن ليجد مرونة واسعة منحتها المخرجة لنفسها وهي تتنقل بين الأزمنة المختلفة.

في المقابل، سوف يكون مونتي هو محور الجدل في هذه الدراما، وهو الذي ستستخدمه ديبس لغرض إنجاب طفلة عن طريق التلقيح الاصطناعي، وهو ما تؤكده له ديبس قبل رحيلها، لأنها هي التي عرضت الجميع للتنويم وقامت بالعملية كاملة من دون وعي منهم.

عبثية السلوك الإنساني وغرائبيته عليك أن تتوقعهما في بعض الحلول الإخراجية التي اعتمدتها مخرجة الفيلم في مقاربتها للأحداث، وهي خلال ذلك قد واجهت من دون شك العديد من الثغرات في الدراما وأيضا في السرد الفيلمي، إلّا أنها سرعان ما تداركتها بضخ المزيد من أفعال الشخصيات العبثية والمأزومة للتغطية على الثغرات.

وفي المقابل، لا تكترث ديبس ذات الشعر الأسود الطويل الذي تحرص على العناية به، كثيرا بمن هم من حولها، فكل ما يعنيها هو أن تستمر دورة الحياة بعد هلاك أغلب من في الرحلة وهو ما يقع بالفعل.

ويتم تعريض المتبقين تباعا إلى إشعاعات كونية خطيرة وهم في داخل مكوك مغلق مما يؤدي إلى هلاكهم، تلي ذلك مشاهد ملفتة للنظر تلك التي يقوم فيها مونتي برمي الجثث في الفضاء الخارجي، فضلا عن المشهد المؤثر لاحتضار وموت ديبس.

مع تقدم الدراما الفيلمية فإن ما يلفت النظر، هو إسراف المخرجة في التلاعب بعنصر الزمن، فهي تتنقل بمشاهدها بكل أريحية ما بين الاستذكارات وبين الحاضر وبين ذكريات ومشاهد أخرى

وعلى الرغم من محدودية الأماكن التي تم فيها التصوير، إلّا أن المخرجة نجحت في انتشال الفيلم من الرتابة والتكرار وأتاحت متابعة جيدة للأحداث على الرغم من وجود ثغرات غامضة في مسارها.

أما على صعيد الإيقاع الفيلمي، فالملاحظ أن المخرجة سارت على الوتيرة نفسها، منذ المشاهد الأولى وتركت للحوارات إمكانية منح قدر محدود من المعلومات مع بقاء الإيقاع في مساره، ما عدا المواجهة بين مونتي وأحد أعضاء الفريق الذي أصابته حالة هستيرية فاعتدى على الجميع ليتم قتله بعد ذلك.

بقي للجريمة هامشها الواسع في ذلك العالم المنغلق على نفسه ولم تتخل الشخصيات عن عدوانيتها كما لم تكن الطبيبة حمامة سلام، بل كانت شاهدة على الخراب النفسي، وفضلا عن قصة الخيال العلمي فإن الفيلم هو دراما نفسية- ديستوبية قاتمة لشخصيات تم قهرها اجتماعيا في سن مبكرة وتم تحطيم أحلامها ومستقبلها.

16