فيلم "خلال الرماد" آخر البشر يصارعون من أجل البقاء

المخرج ميكائيل فريديانيلي يستلهم فيلمه من العالم الديستوبي حيث يصور إشعاعا يضرب الأرض ويفتك بالدماغ والذاكرة معيدا الإنسان إلى سلوك طفولي.
الاثنين 2019/07/15
لا أحد يدرك ما حوله ومن حوله

لا شك أن صورة العالم المستقبلي ظلت تثير اهتمام صانعي أفلام الخيال العلمي، صورة تتداخل فيها احتمالات الفناء أو التخريب وبذلك ينفتح أفق واسع لتلك الاحتمالات. إنه الكون المستقبلي وقد فتكت به الأوبئة أو الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الصراعات متعددة الأسباب.

تستلهم سينما الخيال العلمي من العالم الديستوبي الذي فقد خواصه وملامحه وتحوّل إلى هباء تعصف به الفوضى، ثيمة للعديد من أفلامها المستندة أساسا على العديد من احتمالات الفناء التي قد تضرب الكوكب الأرضي.

ولقد سبق وشاهدنا العشرات من الأفلام التي قدمت صورة بائسة للحياة ولذلك العالم الديستوبي أولها فيلم “ميتروبولس” (إنتاج 1927) وأيضا “كوكب القردة” (1968)، و”رجل الأوميكا” (1971)، و”البرتقالة الميكانيكية” (1972)، و”العامل الخامس” (1979)، و”الهرب من نيويورك” (1981)، و”المدينة المعتمة” (1998)، وسباق الموت” (2000) و”المعطي” (2014)، علاوة على العديد من السلسلات كسلسلة أفلام “ماد ماكس” (1979) و”متسابق المتاهة” (1982) و”التطهير” (2014) وغيرها.

والملفت للنظر أن تبنى فكرة ومعالجة الفيلم الجديد “خلال الرماد” (إنتاج 2019) للمخرج ميكائيل فريديانيلي على نفس هذه المعطيات، ولكنه ينتقي منها ما شاء ليقدم حصيلة فيها مجمل ملامح الديستوبيا الأرضية والفناء الأرضي الذي لم يخلف وراءه إلاّ هباء إنسانيا ومكانيا.

ومع المشاهد الأولى من الفيلم يتجلى ذلك القفر المكاني، سلون (الممثلة كيلي دريفن) تخرج من قبو أمضت فيه زمنا غير محدد، فلا تجد غير بيكي (الممثل دانييل ميلر)، شخص واحد يدور في المكان وسرعان ما يتولى الدفاع عنها تجاه مشردين مسلحين، لتكتشف في ما بعد أن كل هؤلاء المتبقين من الذين يدورون في الأرجاء، هم ليسوا إلاّ ضحايا إشعاع ضرب الأرض ذهب بعقولهم حيث يفتك بالدماغ والذاكرة ويعيد الإنسان إلى سلوك طفولي.

ويبدو المكان في غالبية المشاهد في تلك الضواحي المهدمة والمناطق المعزولة مأوى لمن تقطعت بهم السبل، فهم إما أصيبوا بالوباء وإما أنهم مجرد قطاع طرق يستلبون الآخرين ما بقي من مقتنياتهم ومالهم، ولهذا سوف نتابع مع الثنائي سلون وبيكي كل تلك النماذج البشرية التائهة.

ولا شك أن جماليات العالم الديستوبي تتطلب المزيد من العمل على الشخصيات والمكان ومحاولة تقديم شكل فيلمي ودراما فيلمية لا تقتفي أثر أفلام سابقة عالجت الثيمة ذاتها، وإلاّ فما الجدوى في إضافة أفلام تكرّر الثيمة ذاتها ولا تخرج بحصيلة مختلفة.

واقعيا إن هذا الفيلم ينطبق عليه ذلك التكرار الرتيب للدراما وللشخصيات وحتى المكان، فالشخصيات الظاهرة على الشاشة لا يربطها رابط ولا تبدو مقنعة بما فيه الكفاية. ومن المشاهد المهمة دراميا هي عثور سلون على زوجها جارلس (الممثل جوزيف كاميليري)، إذ يكون قد مر زمن على تفرق الزوجين والعائلة برمتها بسبب الكارثة التي حلت، ولهذا نفترض أن لقاء الزوجين سوف يكون تحولا دراميا، لكن ذلك لن يحصل لسبب بسيط، وهو أن الزوج قد أصابه ما أصاب الآخرين من وباء، ولهذا فهو لا يدرك ما حوله ومن حوله.

ولتعميق إحساس سلون بالعزلة والحزن سوف ننتقل إلى سلسلة من مشاهد الاستذكار التي تعود بنا إلى عائلة سلون، زوجها وابنتها وزوج ابنتها وهم يعيشون بسعادة في منزل أنيق، وإذا بالكارثة تحل فيتفرقون كل في جهة.

تعثر سلون في ما بعد على ابنتها وقد صحبها متشرد لا يتورّع عن قتل أي أحد، ولهذا ينصح الأم بالانصراف وعدم المطالبة بالابنة إيزابيل (الممثلة ديدر روس) ليشكل ذلك صدمة كبرى للأم، وهي تحاول بشتى الطرق استرجاع ابنتها، ولكن من دون جدوى.

أكثر المخرج من مشاهد القتال بالرصاص بين المشردين من جهة وبين سلون وصديقها بيكي من جهة أخرى، وكأنه نوع من الرمي العشوائي لإحداث الضجيج والفوضى لا أكثر، وهو ما سوف نشاهده في المشاهد الأخيرة أيضا، ولكن سلون سوف تستخدم المدفع المتوسط لترمي به سيارة الشرطة التي تلاحقها، وهي مشاهد ركيكة البناء وغير مقنعة على الإطلاق.

زج مشاهد الحركة كان حلا إخراجيا لجأ إليه المخرج لتحريك الأحداث ومنحها جاذبية، وبالتالي إيجاد أسباب إضافية للمشاهدين لغرض المتابعة، لكنها ليست مشاهد مبنية دراميا بما ينبغي من الحرفية العالية والإقناع، كما أنها لم تأت في إطار يتطلبه البناء الدرامي لكي نصل إلى تلك النقطة التي يجب عندها إضافة مشاهد الحركة.

وأما إذا نظرنا إلى الشخصية الدرامية الرئيسية، وهي بالطبع سلون، التي بدت في الكثير من المشاهد تقع في الهامش ولا تقود الدراما، فهي في البداية تحت حماية صديقها وبعد العثور على ابنتها خضعت لزوج ابنتها المتشرد، ولم يجد المخرج إنقاذا لها إلاّ في مشاهد الحركة الأخيرة من الفيلم.

16