فيلم خيال علمي يعزف على ثالوث الإعلام والسياسة والإرهاب

في زمن لا نعلم عنه سوى أنه زمن مستقبلي، لن يكون العالم أكثر رخاء واطمئنانا وسعادة، بالرغم من أن التكنولوجيا تسهم في إنعاش تلك المتع الحياتية الصغيرة، إلاّ أن الواقع الذي يعرضه فيلم "آر- زد 9" لإيان كارسون تبدو مختلفة تماما، فالعالم محتقن ومغيّب أيضا، فلا تعرف عن أحوال الشعوب في ذلك الزمن المستقبلي شيئا، سوى أنك تعيش أحداثا سوف تقع في داخل الولايات المتحدة تحديدا.
الاثنين 2015/10/05
العالم يغرق في العنف والترهيب في"أر- زد 9"

لا تقدّم المشاهد الأولى من فيلم “آر- زد 9” للمخرج إيان كارسون (إنتاج 2015)، إلاّ الإرهاب تحدّيا وقضية إشكالية، فالناس مهددون بقوى مجهولة، مهددون في حياتهم ومستقبلهم، ولهذا فهم لا يشعرون بالاطمئنان من ناحية المستقبل ولا بالاطمئنان من الإجراءات الحكومية لتحصين المجتمع مما هو آت، وليس سوى الإرهاب، هكذا سيضرب الفيلم دفعة واحدة وبضربة قاصمة مفاجئة، فيمحو مدينة لوس أنجليس من الخريطة من خلال ضربها بقنبلة نووية قذرة، كان قد حصل عليها الإرهابيون.

على الطرف الآخر هنالك من يراقب ما يجري، هو ذلك الشاب الطموح الذي يرى كمّا هائلا من التناقضات في القصص التي ترويها الحكومة في مقابل تلك التي تظهر على الشاشات.

نحن هنا بصدد الإعلام والسياسة والإرهاب، هذا الثلاثي الذي يفعل فعله في تشكيل هوية المجتمعات اليوم، وعلى ضوئه يتمّ بناء السرد الفيلمي، وبالرغم من كون تلك الإشكالية مربكة ومعقدة وتتعلق بمصائر الشخصيات والحياة اليومية السلمية للناس، إلاّ أن تحدّي اختفاء مدن بأكملها، هو تحدّ عاصف لا بدّ أن تكون له مضاعفاته والمتغيرات التي تترتب عنه.

ومع ذلك، فإنّ تفاعلات ذلك كله ستظهر في شكل احتقان اجتماعي كبير من خلال نزول القوات الضاربة والطائرات المسيرة التي بإمكانها الإجهاز على أيّ شخص يخرق حظر التجوال، ولهذا فإن أول ما يتعرض له الفيلم هو موضوع الحريات المدنية والنيل منها، بسبب الظروف المضطربة التي تضرب البلاد.

لا شك أنها درجة عالية من التوتر توفر مساحة عريضة من ردود الأفعال المحتقنة، فالكل مهدّد في هذه الدراما الفيلمية والكل محتقن ولا يعرف مصيره، وهو واقعيا مصير مجهول لبلاد بأكملها يتبعها مصير مجهول لكوكب برمته، وما اختفاء مدينة بأكملها إلاّ علامة دالة على ما هو آت.

ثلاثي الإعلام والسياسة والإرهاب يفعل فعله في تشكيل هوية المجتمعات اليوم، وعلى ضوئه يتم بناء السرد الفيلمي

وفي المقابل تتشعب القصة أكثر عندما تعزف الدراما الفيلمية على وتر التوترات الدينية والعرقية، وهنا سيطرح وجود ثلة من المتشددين الدينيين الذين يستغلون أية ظاهرة تتعارض مع أفقهم ومصالحهم بما يشبه شخصية الأخ الأكبر، وتلك إشكالية أخرى أن تصبح البلاد رهينة الإرهاب من جهة والتطرف الديني أيا كانت ميزته من جهة أخرى.

ترويض المجتمع والسيطرة عليه من جهة واستغراقه في توتر المتطرفين من جهة أخرى، هذا كله يقدم حصيلة لشخصيات مأزومة ومحاطة بأقدارها من جميع الجهات تقريبا، لكن في المقابل هنالك مسعى يهدف إلى إحباط الرأي العام والجمهور العريض بصفة عامة من خلال سلسلة من الإجراءات التي تشعر الناس باللاّجدوى.

هنا تبدو الشخصيات في مواجهة أقدارها، ولهذا فإن الاتهام بالخروج على التعليمات وانتزاع ما لا يتعارض مع القانون، كل ذلك سيشكل علامة فارقة تيسّر عملية السيطرة على الأفراد.

أفراد يبحثون لأنفسهم عن ملاذ وعن إرادة ما، تحقق لهم توازنهم في الحياة، قوة ما تنأى بهم عن تلك الآلة الضخمة التي عنوانها سيطرة السلطة على مقدرات المجتمع وتغلغلها في صميم المفردات الحياتية، وهو ما سعى إليه المخرج إيان كارسون للخروج من النمطية وتقديم الشخصيات البسيطة، إلاّ أنها في المقابل مقبلة على فعل الكثير.

التحولات الدرامية وإن كانت تتعلق بالممثل إيثان مكدويل باعتباره الشخصية الدرامية الأكثر نضجا والتي تهتدي إلى أداء شخصي مميز، فإنها في الواقع أسيرة أزماتها الذاتية وقلقها وخضوعها لتداعيات وضع متوتر، وهي خلاصة مهمة في المسار الفيلمي أنعشت السرد وأعطته قدرا ما من المرونة في التنقل بين الشخصيات الأكثر تأزما، وهو ما يستوجب قدرا من الخروج على الشخصيات النمطية السائدة إلى الشخصيات الدرامية الأكثر نضجا.

تبدو المعالجة الفيلمية للمخرج فيها الكثير من الاتساع على مقاربات وموضوعات متعددة تشغل وتهم الرأي العام، ولهذا فقد عزف عليها مبكرا وأضاء عناصرها ومكوناتها في تلك الدراما الفيلمية ومنحها حيوية كبيرة. هذا النوع من معالجة الخيال العلمي الممتزجة بالمتغير والحدث السياسي والعنف هي التي منحت الفيلم قدرا من التنوع في المعالجة الفيلمية، على الرغم من أننا نشعر بقدر من تدهور الإيقاع الفيلمي الذي كانت تثقله تلك المقاربات الذهنية والتي سعى إليها المخرج مرارا، وقدّم من خلالها حصيلة ثرية في بناء الشخصيات والأحداث.

وفي هذا السياق يذكر أن المخرج إيان كارسون هو كاتب سيناريو، وسبق له خوض تجربة كتابة سيناريو عدد من الأفلام الناجحة منها فيلم “2020” الذي وضع فيه بصمته وكان واحدا من أسباب انغماسه في نوع أفلام الخيال العلمي سواء كتابة أو إخراجا، وهو ما فعله مع فيلمه الأخير “آر- زد 9”، بتقديمه فيلما غزيرا في أحداثه وشخصياته الدرامية.

16