فيلم خيال علمي يمزج الشاعرية ببشاعة القتل

"مسعورة" فيلم كندي للمخرجتين الشقيقتين جين وسيلفيا سوسكا يحكي قصة امرأة واحدة كانت كفيلة بنقل الوباء إلى بلد بأكمله.
الاثنين 2019/10/14
من الوداعة إلى التوحشّ

يقدّم الفيلم الكندي “مسعورة” للمخرجتين الشقيقتين جين وسيلفيا سوسكا دراما مختلفة تماما عمّا تعوّد على مشاهدته عشاق سينما الخيال العلمي، حيث بدت قصته في الوهلة الأولى واقعية عن عالم الأزياء والجمال والأنوثة الصارخة، ليتحوّل المسار الفيلمي في نهايته إلى خيال علمي مطلق، يجمع بين نقيضين: الشاعرية والبشاعة.

الأحداث الكبرى من الممكن تبدأ من أفعال بسيطة ما تلبث أن تنمو وتتطوّر حتى تتّسع وتشمل شرائح واسعة من البشر. هذه الفرضية تنطبق على الفيلم الكندي “مسعورة” للمخرجة جين سوسكا وشقيقتها سيلفيا سوسكا، حيث تسير الحياة اليومية بالنسبة لروز (الممثلة لاورا فانديرفورت) برتابة وتبدو هي حسنة النية تجاه المحيطين بها في دار الأزياء التي تعمل فيها كمصمّمة غير متميزة.

وتستمر الأحداث على رتابتها ونحن نستكشف مجتمعا صغيرا تمثله المشتغلات في دار الأزياء بصفة عارضات ومصمّمات وإعلاميات، وهو مجتمع لا يخلو من النميمة، لكنها نميمة غير مؤذية تتركّز أساسا على روز.

السيناريو هنا، تتغلب فيه صورة الأنوثة الطاغية وعالم الأزياء الحداثية الصارخة تحت إشراف كونتر (الممثل مكانزي كراي)، رئيس دار الأزياء والشاعري النزق في اختيار الخطوط والألوان التي تحكم الموضة، شخصية انعكست عليها الأنوثة أيضا، لاسيما وأنه متخصص بأزياء المرأة.

هنّ يشاكسن بعضهنّ وتبرز من بينهنّ تشلسيا (الممثلة هانيك تالبوت) الأكثر حميمية مع روز، والتي تحاول أن تنتشلها من عزلتها، إذ تبدو البطلة روز مختلفة عن الأخريات، فهي لا تسهر ولا تتعاطى المخدرات، ومن ثمة تصبح أسرارها موضوع الفتيات.

كل هذه الدراما التي تتفاعل في داخل بيت الأزياء، بدت شاعرية مختلطة بالأنوثة، ففي كل يوم هناك صف من العارضات يجري تفحص أزيائهنّ، ما يفضي إلى روتين يومي، ولهذا كله كان لا بد من قلب هذه الحياة اليومية المترفة من خلال تحوّل درامي كبير.

وهو ما حصل فعلا، عندما تكتشف روز أن تشلسيا تسخر منها رغم أنها أعز صديقة لها، وأنها تدفعها لمواعدة براد (الممثل بينجامين هولنكسورث) بدافع الفضول، فتنفر روز من الأمر كله وتخرج غاضبة من النادي الليلي الذي اجتمعا فيه لتتعرض لحادث اصطدام مروع يخلف وراءه دمارا لملامح وجهها وتهشم فكيها.

لا شك أنها انعطافة حادة وغير متوقعة، روز تلف وجهها بضمادات وثمة رحلة علاج طويلة تنتظرها لمحاولة تجميل وجهها الذي لا ولن يعود إلى طبيعته رغم التكاليف الضخمة.

وأثناء هذه الدراما المتصاعدة ما نلبث أن ننتقل زمانيا ومكانيا إلى عالم آخر مختلف عما عشناه مع أحداث الفيلم الأولى، هنا عيادة الجراح الشهير كيلويد (الممثل ستيفن مكهاتي) الذي يتعهد بإصلاح وجه روز في مقابل بعض التجارب الجينية عليها.

فيلم "مسعورة"ينطلق من خصام عابر بين صديقتين، إلى كارثة تعم بلدا بأكمله، وسط أجواء تجمع بين الواقعية والخيال العلمي
فيلم "مسعورة"ينطلق من خصام عابر بين صديقتين، إلى كارثة تعم بلدا بأكمله، وسط أجواء تجمع بين الواقعية والخيال العلمي

وفي تحول يشبه المعجزة تستعيد روز شكلها بل تبدو أكثر جمالا بعد عملية معقدة لا تدري بالضبط ما تفاصيلها، لكن ما يحصل هو أنها قد حقنت في أثناء العملية الجراحية بفيروس فتّاك، إذا انتقل منها سيحوّل الشخص المصاب إلى زومبي شديد الوحشية.

واللافت للنظر في طبيعة الإيقاع الفيلمي لهذه الدراما الخيالية، أننا لا نجد تسارعا في الأحداث ولا في أداء الشخصيات، وهي ميزة إضافية في إخراج هذا الفيلم الذي استمر على نفس الإيقاع وتتابع الأحداث إلى النهاية.

ومن جهة أخرى يمكن النظر إلى روز على أنها صانعة دراما العزلة عن جدارة، فهي ممثلة بارعة في هذا الدور تعيش صراعا شرسا مع نفسها مع بدء أعراض الفيروس الذي حقنت به، وهي التي كانت تعيش مسالمة مع نفسها ومع من حولها مبتعدة قدر الإمكان عن الضجيج والثرثرة.

ووسط دراما العزلة تلك سوف ندخل إلى سلسلة الكوابيس التي تضطرب فيها الأشياء، ممّا يجعل روز ترتكب أفعالا ما تلبث أن تعود بها إلى الكوابيس التي تعيشها، فهي تعيش شخصية الزومبي في أحلامها وكأنها حقيقة واقعة.

ولعل السر المخبأ في كل هذا الامتداد الدرامي يكمن في أن روز سوف تكون السبب في نشر وباء على مستوى البلاد، فقد هجمت على زميل لها ولم تتسبب إلاّ بجرح صغير له، لكن ذلك الجرح كان كفيلا بانتقال الوباء.

لا شك أن الفيلم وقد بلغ نهاياته مُشبعا بمشاهد الدم ومضغ لحوم البشر تبقى فيه روز متماسكة وتؤدي دورا لامعا، فقد زادت أزمتها من قدرتها على الابتكار في تصميم الأزياء بعد أن كانت فاشلة في نظر رئيسها جونتر. وما تلا ذلك من تفشي الوباء هو تحصيل حاصل في مثل هذا النوع من أفلام الخيال العلمي التي تعرض لقصة الأوبئة والناجين منها.

ويبدو أن المخرجتين الشقيقتين جين وسيلفيا سوسكا أرادتا تمديد مسار الأحداث بانكشاف مؤامرة الطبيب الجرّاح ومقتل صديق روز وانتحارها هي من جراء ذلك، ثم ظهورها حية مجددا، كل ذلك أخرجنا من السرد الواقعي للأحداث إلى مستوى الخيال العلمي المطلق.

ففي مشاهد الختام تعلن روز لطبيبها أنها السبب وراء تفشي الوباء وهلاك العديد من الناس. لكنه يزجّ بها في مكان مغلق حيث يجري تجاربه على زوجته فتبدو بأذرع أخطبوطية وبشكل بعيد تماما عن الإقناع، لتبدو عذه المتغيرات بلا أدنى صلة بالمنحى الواقعي الذي سارت عليه أحداث الفيلم منذ بدايته، ومن ثمة ظهرت النهاية وكأنها مسقطة مع كونها نهاية سعيدة من خلال سيطرة السلطات على الوباء.

16