فيلم "دولة الخلافة" يرصد ظهور الدولة الإسلامية من الرقة إلى الموصل

الجمعة 2014/08/29
الفيلم كشف نوايا \"داعش\" التوسعية من سوريا إلى العراق

دمشق – هنا كنشوة غريبة تعتلي وجوه شخوص الفيلم، أعينهم فارغة، وتعلو شفاههم ابتسامات من نوع غريب، وكأنهم أمام معجزة تاريخية لا يصدق العقل وجودها، العبارات التي كانوا يقرؤونها في كتب التاريخ والتربية الدينية ماثلة أمامهم الآن.

خلال 42 دقيقة تلتقط كاميرا Vice news تأسيس الدولة الإسلامية من الرقة في سوريا إلى الموصل في العراق، ومسيرة تدعيم أركان الدولة وإعلان الخلافة، والجهود التي تبذلها في سبيل توطيد حكمها ونشر أعلامها السوداء في المنطقة.

الفيلم تحت رعاية دولة الإسلام إذ لم يصور سرّا، بل بإشراف المسؤول الإعلامي في دولة الخلافة “أبو موسى” الذي يسهل تحركات الكاميرا ويتيح التنقل في أرجاء الرقة، والذهاب إلى الخطوط الأمامية للمعركة بين دولة الخلافة والنظام السوري، حيث تحاصر دولة الخلافة الفرقة 17، لنرى المجاهدين يضربون ويطلقون النار على أماكن تمركز قوات النظام السوري لينتهي الأمر بانتصارهم.

تتخلل الفيلم مشاهد استعراضات للأسلحة الحديثة والسيارات المتطورة، بل وحتى صواريخ على شاحنات تمرّ أمام العدسة في مدينة الرقة نفسها، لترسخ مقولة دولة الخلافة التي تنقل على لسان أبو موسى “إن شرع الله لا يقام إلا بالسلاح”.

الغريب أن السلاح أميركي في معظمه، أو من الغنائم التي تكسبها دولة الإسلام من “فتوحاتها” التي لم تنته، وبه يهدد أبو موسى: “أقول لأميركا إن الخلافة الإسلامية قد قامت، يا جبناء، إن كنتم رجالا فنحن على الأرض، لا ترسلوا طائرات دون طيار”.

نبرة حادة وواثقة تلك التي تحكم الخطاب الموجه للكفار والذي يعكس الفكر المتشدد الذي يحمله أفراد دولة الخلافة، وهذا ما حصل، إذ بعد التمكن من الفرقة 17، قطعت رؤوس جنود النظام السوري وعلقت في شوارع الرقة، بوصفهم من يقفون في وجه دولة الخلافة، وذلك من خلال استعراض لبث الرعب في قلوب الناس، وتأكيدا على سطوة الخليفة وجزاء الكفرة.

كان لظهور “أبوبكر البغدادي” وإعلانه الخلافة أثر كبير في أركان دولة الإسلام، حيث تلتقط الكاميرا الفرحة التي تعمّ أوجه المجاهدين والطاقة السحرية التي تعمهم وهم يبايعونه، إن القوّة والبطش التي تتسم بها دولة الخلافة تجعل الجميع أقرب إلى المخدرين.

لا بدّ من مبايعة الخليفة، كبارا وصغارا، شبابا وأطفالا، التاريخ يمثل أمامهم بكل سطوته، نحن أمام خليفة جديد، ولا بدّ من مبايعته لدخول الجنة، الناس البسطاء بعيدون عن السياسة والشؤون الصحفية، إذ نراهم في أول خيمة أقيمت للمبايعة، حيث ترتفع الأناشيد والأهازيج في سبيل الخليفة.

ثم بيعة علنية، وفجأة وبصورة غروتيسكية نرى أبو موسى يقترب ومعه أقصر مجاهد في سبيل الله، عرض علني لأقصر مجاهد لا يتجاوز طوله المتر، وهو يبتسم أمام الجمع.

تكتمل الصورة فجأة لتعلو نبرة خفية من التهكم من قبل مصور الفيلم، إذ نلاحظ أن “أبو موسى” يضع على عينيه نظارات “راي بان”، وهو يتحدث عن محاربة الكفار، ويمسك الـ”M16” في سبيل قتال العلمانيين والغرب الكافر.

الوثائقي جزء من سلسلة أفلام تمّ تصويرها في دولة الخلافة لالتقاط تفاصيل الحياة اليومية بالإضافة إلى توسعها

التهديدات تصبح واقعا فالدولة تشن هجماتها على العراق وتحتل الموصل، وتقاتل في سبيل تدعيم أركانها، فهي تهدم صلبان المسيحية وتحرق مساجد الشيعة، وتهجّر الإيزيديين، وتحارب البيشمركة الأكراد.

وقد فرضت على النصارى خياري الدخول في الإسلام أو دفع الجزية، وإلا فالقتل، فشريعة الله لا بدّ أن تطبق على أيديهم و”فتحهم” للعراق كُلّل بغنائم من المال والسلاح زادت من قوتهم، ما دفع أوباما إلى الأمر بالبدء بضرب دولة الإسلام، إلا أن هذا لا يزرع الرعب في قلوبهم، فهم كارهون لدعة العيش وساعون للجهاد وضنك الحياة في أحوالهم المعيشية.

دولة الإسلام لا توجه جهودها إلى الخارج فقط، فهي تؤسس لنظام داخلي إسلامي، الكاميرا تلتقط المحتسبين وهم يشرفون على أمور التجارة والصيام، كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم على قدم وساق من جلد وإعدامات لمن يبيع الخمر أو يتاجر بالمخدرات، بالإضافة إلى القيام بشؤون الزكاة وإعانة الفقراء من أموال الأغنياء. إلى جانب ذلك يتمّ تجهيز جيل جديد من المجاهدين حسب أعمارهم، فتحت سن الـ15 يوجّه الأطفال إلى معسكرات الدين، وفوق هذا العمر ينضمون إلى معسكرات التدريب تيمنا بأسامة بن زيد الذي قاد جيش المسلمين في عمر الـ17 عاما.

الشخوص في الفيلم متعددو الجنسيات، فالمجاهدون بالرغم من لغتهم الفصيحة فإن لهجاتهم تفضحهم أحيانا، سواء من داخل سوريا أو من خارجها من البلدان العربية والعالم.

بالإضافة إلى الأقنعة التي تغطي وجوه بعض المجاهدين، وكأنهم أدوات بيد الله يتحركون بأمره لا بهواهم، فملامحهم لا حاجة لهم لإظهارها، أما أهالي الرقة والموصل المساكين، فهم مشدوهون أمام التاريخ الجاثم أمامهم، والذي لا يمكن تجنبه أو تجاهل وجوده. فالرؤوس فعلا تقطع، وشاربو الخمر يجلدون وفق الحدود، والتنبيهات حول لون الحجاب، ووضع الصور والتشبه بالغرب كلها تدار من قبل “الحسبة”، شرع الله قائم، الفيلم يلتقط كل هذه التفاصيل.

لا داعي للبهرج والحيل السينمائية، الواقع ذو سحر غريب يكفي فقط تسليط الكاميرا عليه، حتى أن المعلق لا يتحدث كثيرا يترك الأمر للشخصيات تتحدث على هواها، فالواقع تجاوز أي سيناريو أو مخطط للفيلم يمكن لأحد أن يصنعه.

نحن أمام خليفة وجزية وساعات روليكس وأسلحة أميركية، خلطة سوريالية راح ضحيتها الشعب الذي يتعرض للتهجير والطرد والحكم الظلامي، والحكمة تكمن في أن مجاهدي دولة الخلافة لم يعبروا الحدود بجوازات سفر، بل عبروا بالأسلحة.

16