فيلم "دييغو مارادونا" قصة صعود وسقوط

رحلة في "أسطورة" ساحر الكرة الأرجنتيني الذي أدهش العالم، والفيلم يروي قصة دييغو الإنسان أكثر منه اللاعب.
الثلاثاء 2020/01/21
نجم أسطوري

يعتبر الفيلم التسجيلي الطويل “دييغو مارادونا” عن ساحر كرة القدم الأرجنتيني مارادونا، أحد أهم الأفلام التسجيلية البريطانية التي عرضت في العام 2019. وقد عرض الفيلم في العديد من المهرجانات العالمية ونال الكثير من الجوائز.

ليس من الممكن اعتبار الفيلم البريطاني التسجيلي الطويل “دييغو مارادونا” (Diego Maradona) من الأفلام الرياضية، رغم أن محوره هو أشهر لاعبي كرة القدم ربما في تاريخها كله، أي اللاعب الأرجنتيني مارادونا.

صحيح أن الفيلم يتابع مارادونا من الطفولة إلى النجومية وما بعدها، إلّا أن موضوعه الأساسي عن الموهبة عندما تسقط، أو كيف يمكن أن تقضي النجومية على الإنسان، وكيف يصبح “النجم” ضحية لنفسه، لغروره ولوهم الشعور بالقوة التي لا تُقهر. وكيف يلجأ إلى ستر شعوره بصدمة الانتقال المرعب من حياة إلى أخرى، إلى الاستعانة بالمخدرات.

انتقام مُضاعف

الساحر الذي مازال يثير الجدل حيثما ذهب
الساحر الذي مازال يثير الجدل حيثما ذهب

إننا نرى كيف انتقل مارادونا من حياة الفقر والفاقة على هامش مدينة بيونس أيرس، إلى حياة الشهرة والثراء والملاهي الليلية والإعلام وحب الملايين من الجماهير، وتهافت أجمل الفتيات على صحبته.

هذا الشاب الوديع البسيط الذي بدأ مبكرا في تحمّل مسؤولية أسرته الفقيرة، ينتقل بفضل موهبته إلى نادي برشلونة، لكنه لا يوفق هناك فيباع في 1984 إلى نادي نابولي -أحد نوادي مؤخرة الترتيب في الدوري الإيطالي- ليتمكن بسرعة، من الوصول به إلى القمة.

لقد حقق مارادونا ما يمكن اعتباره “انتصار الفقراء” على الأثرياء. فعندما كان نادي نابولي يلعب مع أحد فرق الشمال الإيطالي الثري، كان الجمهور الشمالي يستقبل “الجنوبيين” بالهتافات العنصرية. فهؤلاء “سيجلبون لنا الكوليرا.. والقمل.. فهم لم يستحموا منذ سنوات. اقضوا على الأوغاد الأوساخ”، إلخ.

سينتقم مارادونا أيضا (في 1986) من الغزاة المنتصرين، أي البريطانيين الذين قهروا الأرجنتين في حرب الفوكلاند (عام 1982) عندما يسجل هدفين في مرمى الفريق الإنجليزي في نهائي كأس العالم الذي أقيم في المكسيك.

ومن هذين الهدفين الهدف الأكثر شهرة في تاريخ الكرة الذي سجله بيده، وهو يعترف في الفيلم بذلك. والعالم كله يعرف هذه الحقيقة منذ زمن، لكن المرء لا يمكنه سوى أن يبدي إعجابا ببراعته حتى وهو يسرق الهدف دون أن يلاحظه الحكم.

الفيلم يتابع مارادونا من الطفولة إلى النجومية
الفيلم يتابع مارادونا من الطفولة إلى النجومية

من بين حوالي 500 ساعة من أفلام الفيديو المنزلية وشرائط تسجيلية تلفزيونية ومقابلات صوتية مسجلة مع عدد من الصحافيين الرياضيين والمعلقين ومدير نادي نابولي وشقيقة مارادونا ووالده وزوجته، يصنع المخرج البريطاني أسيف كاباديا (الذي ينحدر من أسرة هندية مسلمة) “دراما” شيقة عن الصعود والسقوط.

يصوّر الفيلم صدمة الانتقال من الماضي إلى الحاضر، وهو يشهد ثمانين ألف متفرج يهتفون باسمه بجنون في الملعب، ثم عندما يحقّق لفريقه أكثر ممّا كان يحلم به ويصبح أسير ذلك الفوز، يلجأ إلى المخدرات، ويغرق نفسه في حياة الليل واللهو؛ يستعين بالعاهرات، يتقرّب من المافيا التي أصبح يحتاج إلى حمايتها بينما تستغل هي حاجته إلى المخدرات من أجل إحكام السيطرة عليه.

يصوّر الفيلم ببراعة، ما يحدث من “انقسام” أو بالأحرى “فُصام” في شخصية اللاعب الأسطوري، الذي انتقل من “الإنسان” إلى “المعبود”، باستخدام الصور واللقطات، والمونتاج البارع الذي يربط بينها، في بناء جدلي مثير لا يعيبه سوى رداءة اللقطات المأخوذة من أفلام الفيديو المنزلية القديمة التي نعرف أنها وثائق شخصية حصل عليها المخرج من مارادونا نفسه، ومنها الكثير من اللقطات التي لم يسبق عرضها من قبل.

أصبحت صور مارادونا في كل مكان، وفوق فراش كل إنسان في نابولي، جنبا إلى جنب مع صور المسيح.. لقد أصبح “المخلص” المرسل من قبل العناية الإلهية لتعويض نابولي عن تاريخ طويل من التهميش والإهمال، ووضعها في بؤرة التاريخ.. تاريخ كرة القدم.

ولكن المشكلة أن مارادونا يصدّق أنه مشفوع بالفعل بالعناية الإلهية، وخاصة مع يقينه الديني وإيمانه “الكاثوليكي” الراسخ الذي يبرزه الفيلم في أكثر من ناحية.

بداية السقوط

ستصبح بداية السقوط عندما يلعب مارادونا مع منتخب بلاده ضد إيطاليا عام 1990 في كأس العالم بالبرازيل، تحت قناعة أن “نابولي ليست إيطاليا” رغم احتجاج ورفض جمهوره الإيطالي، حيث يتمكن من إقصاء إيطاليا من البطولة.

هنا يسقط المعبود في أنظار ملايين الإيطاليين الذين رفعوه إلى عنان السماء. وتبدأ الصحافة تتابع وترصد جميع تحركاته، ثم تقبض الشرطة عليه بتهمة حيازة المخدرات والترويج لها أيضا بعد أن كان يمنحها لبعض العاهرات اللّاتي أحاط نفسه بهنّ. وسيصبح تنكره لابنه الذي جاء نتيجة علاقته بفتاة إيطالية، مادة للصحافة، تنهش في لحمه، وتصف كيف أنه أيضا وغد ناكر للجميل.

الجمهور والإعلام الذي رفعه وصنع منه أسطورة، هو نفسه الذي سيهبط به إلى أسفل سافلين. سيقضي عقوبة في السجن، وستنتهي مسيرته الكروية بسرعة، ويصبح مترهلا قبيحا، ولكن دون أن يفقد ما يتمتع به من “كاريزما” فطرية، وقدرة على إثارة الجدل أينما ذهب.

فيلم “دييغو مارادونا” رحلة شيقة مع استخدام الصوت والصورة وقدرة مثيرة للإعجاب من جانب مخرج تخصّص في هذا النوع من “أفلام المشاهير”، من خلال التوقف بين طوفان الصور وطرح تساؤلات ذكية كثيرة عن قوة الموهبة وجنوح الموهوب وكيف يقضي عليه، وعن المشاعر الداخلية للفرد محط الأنظار، وهل يستطيع أن يمنع ما هو محتم، أي السقوط في الغرور، ومن ثم السقوط في المسار. من الممتع أن تشاهد مارادونا وهو في الملعب، وشعوره بالصلة التي تربطه بالسماء، ولكن هذا اليقين يبقى مجرد ذكرى.

16