فيلم "زنزانة" الإماراتي: للمكان البطولة المطلقة

الجمعة 2016/07/15
نحن والآخر

الكثيرون منا كانوا قد شاهدوا ما يشبه لقطاته بأعينهم، وبعضهم وهم اليوم ليسوا بالقلة أبدا، قد عايشوه واختبروا قسوته وقذارته، ما يعني أن الفيلم الإماراتي “زنزانة” لمخرجه ماجد الأنصاري ومن إنتاج “إيمج نيشن” مؤخرا، قد استحضر مكانا من الواقع العربي المعيش واشتغل على تفاصيله التي تتقاطع مع أحداث المتلقي القابع في زنزانته الخاصة خلف الشاشة.

انطلاقا من عنوان الفيلم “زنزانة” يقدم المخرج الإماراتي ماجد الأنصاري الزنزانة كفضاء أساسي للصراع، وكمسرح لأحداث تصبح دموية شيئا فشيئا، حيث للمكان البطولة الرئيسية وليست للشخوص بحد ذاتهم، إذ تفرض الزنزانة على الجميع نمطا معيّنا من التعامل والعواطف.

ومن البديهي أن يراها المشاهد مقسمة إلى قسمين: سجين وسجان، الأمر الذي أشار إليه العمل مستنبطا أحداثه من سيناريو يبحث في مكنونات الإنسان وتقلباته بحسب تقلبات الأمكنة، حيث ينقسم الفضاء الكبير والأساسي إلى فضاءين (داخل-خارج) يرتبطان بشكل مباشر بالثنائية السابقة (سجين-سجان).

صورة الفيلم ضبابية وتحاكي في غموضها الإطار العام لأحداثه، فقد رأينا في المشهد الأول سجينين في زنزانتين متجاورتين، هما بوحمد وطلال، ونفهم من خلال الأداء والحوار أن شجارا كان وراء وصولهما إلى هذا المكان، وفي حين يستطيع أحد ما دفع كفالة بوحمد وإخراجه، في حين تتعثر أمور طلال بين محفظته الضائعة والتي تحوي كل بياناته الشخصية وبين طليقته التي ترفض أن تراه. وعند هذه اللحظة، لا تزال الأحداث في إطارها المنطقي والطبيعي، إلا أن وصول ضابط شرطة هو “الدبّان” كضيف، حينها تجعل الأمور تتعقد وتسير في منحى معقد جدا، خاصة وأن هذا الضيف تنتابه حالات نفسية غريبة من نوعها وتدفعه إلى تفريغها في السجين طلال.

وتتكشف خبايا القصص المشهد تلو الآخر، ويفرض العنف نفسه كمنطق قائم داخل الزنزانة وخارجها، نظرا إلى كونها الزنزانة الأكبر التي نعيش داخلها وفي حدودها الممتدة شمالا وجنوبا شرقا وغربا.

فالحكاية في الفيلم لا تتعرض إلى هذا السجن بوصفه مكانا محدودا ببضعة أمتار طولا وعرضا، وإنما يتناوله بصفته خيارا بشريا وربما عربيا، اخترعه من سبقنا وها نحن اليوم موجودون فيه ومستمرون حتى التعب.

وقد يستغرب المرء أحيانا، كيف للقضبان الحديدية المتباعدة بانتظام وتواز أن تسجن حريتك وتخنقك لمجرد أن شخصا أقوى منك يملك مفاتيح قفلها ويتحكم في مصيرك، وفي بعض الأحيان يكون تحكمه مرضيا وعن غير حق، مثلما حدث مع طلال، حيث لم يستطع أن يتذكر السبب الذي جاء به أصلا إلى هذه الزنزانة، ووجد نفسه متورطا في حماية زوجته السابقة وابنه من لعبة لم يفهمها إلا أنه الضحية فيها.

ويبدو من الطبيعي جدا أن تأتي نهاية الفيلم محمّلة بالدموية إزاء العنف الذي تمّ التمهيد له منذ البداية، سواء من خلال

الحوار والأحداث أو من خلال الصورة في حد ذاتها، وكأن الفيلم يؤكد أن العنف يقضي على جميع الأطراف المتصارعة، حتى تلك غير المتورطة واللاعنيفة والتي تلعب دور الضحية ليس إلا.

16