فيلم سبايك لي الجديد: صفعة على وجه المجتمع الأميركي

المخرج سبايك لي اعتمد في فيلمه الجديد "عضو الكوكلوكس كلان الأسود" على التجربة الشخصية والأحداث الحقيقية التي خاضها ضابط شرطة أميركي أسود في سبعينات القرن الماضي.
الجمعة 2018/07/06
مواقف كوميدية رغم جدية الموضوع

جاء الفيلم الجديد "عضو الكوكلوكس كلان الأسود" للمخرج الأميركي-الأفريقي الشهير سبايك لي مفاجأة مدهشة قياسا إلى أعماله خلال السنوات العشرين الأخيرة، وقياسا إلى أفلام كثيرة ظهرت في السينما الأميركية عن قضية التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة وتاريخها المليء بالمرارة والعنف والأسى.

على الرغم من أن فيلم Blackklansman (أو عضو الكوكلوكس كلان الأسود) للمخرج الأميركي-الأفريقي سبايك لي يتعامل مع قصة تعود إلى سبعينات القرن الماضي، إلاّ أنه يسلط الأضواء بقوة على الأوضاع الراهنة في المجتمع الأميركي الذي برزت فيه مجددا جماعات التطرف العنصري المناهضة للسود تحديدا.

والفيلم يعتمد على التجربة الشخصية والأحداث الحقيقية التي خاضها ضابط شرطة أميركي أسود في سبعينات القرن الماضي، رغم ما يبدو من أنها أحداث ومواقف “غير قابلة للتصديق”، ويبدو موضوع الفيلم وسياقه مناسبين تماما لطموحات هوليوود وولعها بالقصص المثيرة التي تجمع بين الإثارة البوليسية والكوميديا والتعليق السياسي اللاذع.

قصة الفيلم التي صاغها في سيناريو سينمائي ثلاثة من الكتاب إلى جانب المخرج، متسقة تماما مع المزاج الخاص لسبايك لي، فبطل القصة رجل أسود، لا شك في تعاطفه الكبير مع القضية التي يناضل من أجلها أقرانه في خضم موجة “القوة الأسود”، يسعون للقضاء على التفرقة ووضع حد للتمييز الذي تمارسه الشرطة الأميركية ضد الأميركيين السود، ومواجهة جماعات التطرف البيضاء وعلى رأسها منظمة “الكوكلوكس كلان” التي يشار إليها في الفيلم بـ”المنظمة”.

على جبهتين

قصة حقيقية تصنع فيلما بديعا
قصة حقيقية تصنع فيلما بديعا

يعتمد السيناريو على كتاب من تأليف ضابط الشرطة السابق رون ستولورث صدر عام 2014 ويروي فيه بالتفصيل تجربته في اختراق “المنظمة” العنصرية كأول ضابط شرطة أميركي أسود يتمكن من الإيقاع بهذه المنظمة وخداع زعيمها المعروف ديفيد ديوك صاحب الخطاب اليميني المعادي للسود واليهود، والذي خاض انتخابات الرئاسة عام 1988.

ستولورث الذي يقوم بدوره في الفيلم الممثل جون ديفيد واشنطون، هو ذلك الشرطي الذي يناضل، ليس فقط ضد المنظمة العنصرية ويتمكن من الكشف عن الكثير من أعضائها الخطرين، ومنهم من كانوا ضباطا في مواقع خطيرة في الجيش الأميركي، بل يخوض أيضا معركة داخل جهاز الشرطة في كولورادو سبرينغز، من أجل نيل فرصة للعمل -ليس في المكاتب الخلفية كما أريد له في البداية أن يكون- بل في الخطوط الأمامية كشرطي سري، حتى لو اقتضى الأمر بقبوله في البداية التجسس على نشاطات اتحاد الطلاب السود.

إنه يطلق شعره على غرار ما كان سائدا وقتها في أوساط النشطاء السود، ويحضر مؤتمرا لهم حيث يأتي كوامي تيوري أحد القيادات السابقة في حركة “الفهود السود”، يلقي خطابا عنيفا يطالب خلاله بالكف عن الكلام والبدء في العمل أي في التغيير بالقوة.

يتظاهر ستولورث بالتعاطف مع الطلاب السود، ويلفت نظر فتاة من بينهم هي باتريس سرعان ما يتضح أنها زعيمة الاتحاد، تنجذب إليه، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية (المعادل الدرامي لشخصية أنجيلا ديفيز)، لكنه لا يبوح لها بحقيقة دوره موضحا أنه يتفهم دوافع الحركة، لكنه لا يتفق مع سياستها في الاتجاه نحو العنف.

ولم يكن ممكنا أن يخترق ستولورث المنظمة العنصرية بشكله الذي يكشفه، ولكن من خلال المحادثات الهاتفية وقد اتصل يطلب أن يكون عضوا في المنظمة ويبدي إعجابه بنشاطها، موجها السباب للأميركيين السود ومعبرا عن غضبه الشديد على السياسة الليبرالية القائمة.

إنه يقلد طريقة الأميركيين البيض في الحديث، أي أنه يقوم بتمثيل شخصية غير شخصيته إلى أن يعرض عليه زعيم فرع المنظمة في المدينة، العضوية.. ولكن لا بد من حضوره إلى المقر.

يقترح رون ستولورث على رؤسائه الاستعانة بزميله زيمرمان (آدم درايفر) ليقوم بدوره كبديل أبيض له، ومن هنا يتخذ الفيلم مسارا شديد الإثارة مع الكثير من المواقف الكوميدية، خاصة عندما يشك أحد قيادات فرع المنظمة في أن يكون زيمرمان يهوديا وهو كذلك بالفعل، أو بعد أن يبحث هذا الرجل عن عنوان ستولورث ويصل إليه ويطرق الباب ليفتح له ستولورث الأسود الذي سرعان ما يعرف أيضا أنه ضابط شرطة، لكن مع ذلك تستمر الأحداث مع قدرة ستولورث الأبيض (أي زيمرمان) على الإقناع بجدية دوافعه وتعاطف مدير الفرع معه.

ومع وصول ديفيد ديوك إلى المدينة يكلف ستولورث بحمايته، وهو ما يثير نفور ديوك بالطبع، وتقع الكثير من المفارقات وتنكشف اللعبة، ولكن بعد أن يكون ستولورث قد تمكن من إحباط عدد من عمليات العنف التي كانت مدبرة في المدينة ضد منازل السود.

وينتقل السيناريو بمهارة بين الشخصيتين: ستولورث وزيمرمان، ويربط بين أحداث السبعينات والأحداث العنصرية التي وقعت في الفترة الأخيرة في الولايات المتحدة، ويبدأ الفيلم بمشاهد تسجيلية من الأرشيف لأحداث العنف العنصرية، كما ينتهي بالأحداث الحديثة التي وقعت في شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا من مواجهات بين العنصريين البيض والمناهضين للعنصرية وكان يقود المسيرة العنصرية ديفيد ديوك نفسه، كما أنه رغم تخليه عن رئاسة “الكوكلوكس كلان”، صرّح بأنه وأنصاره انتخبوا ترامب “لأنه قال لا بد من استعادة بلادنا، ولأنه قال إن الأميركيين حالمون”.

صورة معاصرة

يصل سبايك لي في “بلاككلانسمان” إلى ذروة المهارة الحرفية مع لمسات فنية واضحة سواء في بناء المشاهد، أو تحريك الكاميرا ودفع الأحداث والسيطرة على الإيقاع وعلى أداء الممثلين، ورغم التفرعات والانحناءات الكثيرة في السيناريو، لا يفقد الفيلم حرارته وإيقاعه، بل يظل يأسرك كمتفرج.

هنا يسدّد سبايك لي ضرباته بمهارة، ولكن في ثقة وهدوء بعيدا عن غضبه المعروف، لذلك ينجح في صنع عمل كبير بمقاييس هوليوود وبمقاييس السوق الأميركية، صحيح أن “الرسالة” موجودة وبارزة، بل وصارخة أيضا في بعض المشاهد وتحديدا المشاهد الأولى لبطله داخل مقر الشرطة بعد قبول تعيينه (تحت الاختبار)، لكنها رسالة تكمن ببراعة داخل نسيج مثير يقدّم التسلية والمتعة أيضا.

داخل قسم الشرطة يتعرض ستولورث لمضايقات ضابط عنصري أحمق عنيف يسعى بشتى الطرق للنيل منه وإهانته، لكنه يكتم غضبه استجابة لتحذير رئيسه الذي أسند إليه الوظيفة، والذي نصحه بعدم ترك مشاعره تتحكم في أدائه خاصة عند التعامل مع زملائه، لكن الوقت سيأتي في ما بعد حينما تتاح له الفرصة لتلقين ذلك الضابط الأحمق درسا لا ينساه ويتسبب في طرده من الخدمة والقبض عليه ومحاكمته أيضا.

ربما كان يعيب الفيلم زيادة جرعة التركيز على الهوية اليهودية للضابط الأبيض، كما لو لم يكن ممكنا ألا يكون شخصا عاديا من البيض المناهضين للعنصرية الباحثين عن العدالة، وربما يعيبه أيضا الملامح الكاريكاتورية المبالغ فيها في تكوين شخصيات الرجال الثلاثة في فرع منظمة الكوكلوكس كلان، فمنهم من هو أقرب إلى البلاهة، ومنهم مدمن الكحول الأحمق، والآخر الذي يبدو متشككا في كل من حوله، مدفوعا بهاجس معاداة اليهود، وزوجته البدينة ذات النزعة السيكوباتية التي تتحرق شوقا بطريقة طفولية لزرع العبوات الناسفة.

مواقف كوميدية رغم جدية الموضوع
مواقف كوميدية رغم جدية الموضوع

وهذه شخصيات ومواقف تضفي طابعا هزليا على الفيلم وتكاد تفقده جديته، لكن سبايك لي يعود لكي يقبض بقوة على مسار الفيلم، ويحافظ على إيقاعه وعلى قدرته على توليد الإثارة وجذب المتفرج، إنها وسيلة سبايك لي في السخرية من هذه النماذج العنصرية.

ومن المفارقات أن يجعل السيناريو ستولورث يقول خلال حديثه مع باتريس كيف أنه من الممكن تغيير النظام من الداخل من دون لجوء للعنف، وكيف أنه من الممكن في يوم ما أن يأتي رئيس أميركي أسود إلى البيت الأبيض (أوباما)، ومن جهة أخرى يرفع ديفيد ديوك في الخطاب الذي يوجهه في جموع أنصاره شعار “أميركا أولا” وإمكانية وصول رئيس أميركي قومي النزعة إلى البيت الأبيض في إشارة واضحة إلى ترامب.

عن التمثيل

يقوم جون ديفيد واشنطون (ابن دانزيل واشنطون) ببراعة بأداء دور رون ستولورث، وهو الذي شارك في دور صغير في فيلم “مالكولم إكس” الذي أخرجه سبايك لي عام 1992، وقام ببطولته والده دانزيل واشنطون، إنه يتماثل تماما مع شخصية الضابط الأسود الذي يعاني من العنصرية داخل وخارج العمل، ويتعين عليه أن يثبت أنه قادر على أن يأتي بما عجز عنه الآخرون، وأن يظل يتمتع بالصبر ورباطة الجأش سواء أمام رؤسائه أو خلال محادثاته الكثيرة مع رجال “المنظمة” العنصرية. أما آدم درايفر، فقد أدى دور زيمرمان بنوع من التوتر العصابي كونه أصبح من أول لحظة بعد دخوله حظيرة المنظمة، عرضة للشك والمتابعة، وقد أصبح يتعين عليه القيام بدوره كممثل بارع، يتقمص شخصية ليست له، يعتمد على الدعم الخلفي الذي يقدّمه له زميله ستولورث.

ومن المتوقع أن يثير الفيلم عندما يبدأ عرضه في دور العرض الأميركية في العاشر من أغسطس القادم (كان العرض الأول للفيلم في مهرجان كان السينمائي) الكثير من الجدل ويعيد مجددا طرح موضوع العنصرية وما يجري في أميركا اليوم في عهد الرئيس دونالد ترامب، لكن المؤكد أن حظه سيكون سعيدا من ناحية الإقبال الجماهيري وكذلك من ناحية ترشيحات الأوسكار المنتظرة القادمة.

16