فيلم سريالي كردي يحصد جائزة يلماز غوناي في لندن

الاثنين 2013/11/25
الأفلام المتسابقة تناولت موضوعات بالغة الحساسية والجرأة

لندن - أُعلنت، مؤخرا، جوائز مسابقة "يلماز غوناي الرابعة" للأفلام القصيرة في الدورة الثامنة لمهرجان الفيلم الكردي الذي انطلق بلندن في الرابع عشر من نوفمبر الجاري واختتم مساء أمس الرابع والعشرين من الشهر ذاته. وقد تنافس في هذه المسابقة عشرون فيلما قصيرا من مختلف أقاليم كردستان الأربعة في العراق وإيران وتركيا وسوريا.

عُرض خلال أيام المهرجان "32" فيلما قصيرا خارج إطار المسابقة الرسمية من الأقاليم المذكورة التي يطلقون عليها اسم "كردستان الكبرى". وقبل إعلان الجوائز أشار أحد أعضاء لجنة التحكيم إلى شدة المنافسة بين الأفلام المتسابقة التي تتناول موضوعات شديدة الحساسية، وتزدان غالبيتها بسوية فنية عالية الأمر الذي دفعهم إلى منح جائزة التحكيم مناصفة إلى فيلمي "قو قي" لإيراج محمدي من إقليم كردستان الإيراني، و"درب الحياة" لفاتيما داسمارا من الإقليم ذاته. وقد جاء في قرار لجنة التحكيم أن فيلم "قو قي" لإيراج محمدي "هو فيلم تجريبي قصير، يتميز بأصواته وصوره الغامضة ويخلق جوا يشبه الحلم الذي ينقلنا إلى عالم سريالي".

وجدير ذكره أن هذا الفيلم يخلو من الحوار تماما على مدى 15 دقيقة ولم نسمع إلاّ بعض الأصوات التي يُطلقها رجل يرتدي ملابس سوداء وينبش الأرض بحثا عن اللُقى الدفينة. وفي أثناء انهماكه في عملية النبش يلفت انتباهه نعيب غُراب فيلاحق صوته حتى يصل إلى عشه فيجد العديد من اللقى التي نقلها الغراب إلى عشه.

أما فيلم "درب الحياة" لفاتيما داسمارا الذي أثنت عليه لجنة التحكيم وقالت "إن المخرج قد نجح في مدة قصيرة من الزمن أن يروي لنا قصة حزينة عن الطفولة في كردستان من زواية فريدة من نوعها". أما الجوائز الثلاث الأساسية فقد أُسندت إلى الأفلام الآتية "مجهول" لصلاح صالحي من إقليم كردستان الإيراني والثانية لفيلم "فرقة" لآزاد محمدي من الإقليم ذاته و"ضباب" لسيدات آزازي من إقليم كردستان التركي. كما منحت جائزة أفضل سيناريو للكاتب مازن شيرابياني وقيمتها "5" آلاف دولار أسوة ببقية الجوائز الممنوحة للأفلام القصيرة الفائزة.

لم يحظَ إقليم كردستان العراق بأية جائزة أو تنويه على الرغم من اشتراكه بفيلمين قصيرين جيدين وهما "مسي بغداد" لسُهيم عمر خليفة و"داليا" لشاخوان عبدالله الذي تناول موضوعا مستفزا تألق فيه الفنان "شوان عطوف".

مجهول الهوية

حاز فيلم "مجهول" لصلاح صلاحي على الجائزة الأولى "لأنه مدبّج بشكل جيد ويتناول حكاية أخلاقية تستحوذ علينا حالا وتحركنا بعروضهاالقوية وواقعها المتماسك". أما الجائزة الثانية فقد ذهبت إلى فيلم "فرقة" لآزاد محمدي من إقليم كردستان الإيراني وقد جاء في تقييم لجنة التحكيم أن المخرج يأخذنا ضمن "مهجع جنود" ليبيّن لنا صراع أحدهم الداخلي الذي يثير أسئلة مهمة عن الرجولة والعزة والواجب. أما الجائزة الثالثة فقد أُسندت إلى فيلم "ضباب" لسيدات آزازي من إقليم كردستان التركي. وهو فيلم تعبيري قصير مدتة سبع دقائق لكنه "يكشف لنا عن تأثير الحرب على الأجيال في كردستان، بطريقة قوية ومقنعة من خلال بساطته".

لا شك في أن الأفلام القصيرة التي تتمحور على موضوعات نقدية حساسة ومستفزة هي التي تلفت الانتباه دائما خصوصا في المجتمعات الشرق أوسطية، وربما يكون الدين أبرزها فنحن لا نعرف على وجه الدقة لماذا انتحر هذا الشخص المجهول الهوية؟ وهل انتحر حقا أم قُتل في ظروف أمنية غامضة؟ على أية حال دعونا نقبل بفكرة الانتحار التي تذرع بها السارجنت رشيدي ومرافقه الجندي وقصدا عدة قرى بغية دفن جثته في مقابرها، لكن ملالي هذه القرى الثلاث رفضوا تباعا دفن الجثة بحجة أن الشخص منتحر ومجهول الهوية.

لقد تجشّم السارجنت والجندي المرافق له عناء كبيرا في حفر أكثر من قبر دون أن يفلحوا في إتمام عملية الدفن وسط اعتراضات الملالي والأهالي الذين رفضوا أن يصلوا على جنازة المنتحر بوصفه قاتلا لنفسه. وبعد جهد جهيد يصل السارجنت إلى فكرة مفادها أن يدفنا هذه الجثة المجهولة تحت الأسلاك الشائكة التي تفصل بين الحدود الإيرانية- العراقية حيث يعقد السارجنت جوربه على الأسلاك الشائكة كنقطة دالة على القبر في احتمال الكشف عن صاحب الجثة الذي كان مجهولا حتى هذه اللحظة. إذن، يثير فينا هذا الفيلم أسئلة كثيرة من بينها سبب الانتحار وحيثياته، وإذا لم يكن قد انتحر فمن هو القاتل؟ هل ثمة يد للسلطات الأمنية الإيرانية بقتله خصوصا وأن الأحداث تدور في إقليم كردستان الإيراني؟ ولماذا دُفن على خط الحدود بالضبط؟ وهل للضحية صلة بالعراق؟ وما هي حكاية الشيخ الطاعن في السن الذي طلب من الجندي إيصاله إلى العراق بحجة أن صدام حسين قد دعاه إلى العراق عبر وسيط لم نعرفه؟ وهل كان هذا الشيخ مجنونا أم مختلا، أم خرفا؟

الأفلام القصيرة هي بالنتيجة خطابات بصرية قبل أن تكون خطابات أدبية أو فكرية

فرقة قتل

يراهن مخرج هذا الفيلم على الصورة البصرية وقد نجح فعلا في رهانه. فثمة عدد من الجندرمة الأتراك المكلفين بواجب عسكري له علاقة بأمن الدولة، وربما يكون بين الجنود من ينتمي إلى مجموعات متمردة على السلطة أو تطالب بحق تقرير المصير، لكن هذا الجندي يستحوذ علينا بقلقه وصراعه الداخلي الذي يشير من طرف غير خفي إلى انتمائه إلى المناخ المعارض للسلطة أو المناوئ لها، لكنه مكلف الآن بتأدية واجبه تجاه الوطن. لقد أمسك المخرج بهذا الوضع النفسي المتناقض وزجنا فيه كمتلقين وترك حق الحكم لهذا الجندي في أن يستعمل الطلقات العشر التي قدّمها له آمر حضيرته الذي قد يوعز في أية لحظة بإطلاقها ضد أعداء الوطن. يا ترى، هل سيلتزم هذا الجندي القلِق بأوامر مسؤوله أم ينفذ ما يدور في ذهنه الذي بدأ يتجسّد على معالم وجهه وقبضة يده التي تمسك بظرف فارغ .

ضباب

تلعب العين السينمائية للمخرج دورا مهما في انتقاء المكان الناجح لتصوير وقائع الفيلم. فما أن تنفتح الكاميرا بلقطتها المشهدية الكبيرة حتى ننسحر بالمكان الثلجي المقفر إلى حد الوحشة التي تحطّمها بعض الأشجار الجرداء.

يرسم الصبي على الزجاج المُضبب صورا عديدة لأشخاص وبيوت وأشجار وكل ما يتأجج في ذهنه، ولأن الحرب تترك تأثيرها القاسي والمروّع على الأطفال تحديدا فإنه يرسم دبابة ويحاول أن يمسحها كما فعل مع الأشكال السابقة التي رسمها، لكن الدبابة تظل مطبوعة على الزجاج وكأنها مرسومة بصبغة أبدية لا تزول.

هذه الضربة الفنية إضافة إلى طريقة التعاطي الذكية هي التي منحت هذا الفيلم قوته وكان جديرا بأفضل من هذه الجائزة، فالأفلام القصيرة هي بالنتيجة خطابات بصرية قبل أن تكون خطابات أدبية أو فكرية.

تألفت لجنة تحكيم مسابقة "يلماز غوناي" الرابعة للأفلام القصيرة لهذا العام من خمسة أعضاء وهم عائشة بولات، دنيفزا بريفان، لورا إيفرز جونز، نهاد سيفين وتيم كيندي. وجدير ذكره أن هناك "32" فيلما قصيرا قد تمّ عرضها خارج إطار المسابقة الرسمية.

14