فيلم سوري يطرح أسئلة إجاباتها تبقى مؤجلة

حازم زيدان: "عم يوجعك شي؟" سرد سينمائي للراهن الأليم في سوريا.
السبت 2021/02/13
أوجاع الناس وأحلامهم ترسمها الكاميرا

شباب السينما السورية ما زالوا يستعرضون أفكارهم الجديدة، التي تشكّل رافدا هاما طال انتظاره في المشهد السينمائي السوري. ومشروع فيلم حازم زيدان الثاني “عم يوجعك شي؟”، هو حلم في هذا الطريق الشائك الذي يودّ عبره تأسيس نمط سينمائي مغاير عمّا حقّقه المكرّسون.

دمشق - عن ماهية الخيارات ومدى صعوبة الوصول إليها ومسؤولية كل منا في تحديدها في عالم تحكمه الأقدار والمتغيرات التي تفرض سطوتها. كانت هي الحكاية التي بنى عليها المخرج السينمائي السوري الشاب حازم زيدان في فيلمه الروائي القصير الأول “العين الساحرة” الذي أُنجزه في العام 2018 وعُرض في العديد من المهرجانات السورية والعربية.

وبعد تجربته تلك، يقدّم ثاني أفلامه الروائية القصيرة تحت عنوان “عم يوجعك شي؟” (ما الذي يؤلمك؟)، وفيه مقاربة إنسانية لمواجع أسرة تعاني من ظروف صعبة نتيجة وضع صحي محدّد لأحد أفرادها.

مسارات متقاطعة

ضحكات مقتطعة من زمن الوجع
ضحكات مقتطعة من زمن الوجع

في الفيلم بوح عميق يرتسم في تطلعات امرأة إلى المزيد من السعادة والتفاؤل، وهو يحاول عبر لقطات إنسانية أن يخطف من المتلقي التفاتات إلى شيء من الهدوء والسكينة والأمل في زمن تحكمه هواجس التعب والإنهاك الاجتماعي والنفسي.

ويذهب الفيلم بعيدا في سبر أعماق مجموعة من الشخوص الذين تطوّقهم الحياة بالكثير من الآلام، ولا يجدون من مفرّ أمامها إلّا بمواجهتها.

العمل الجديد من تأليف وإخراج حازم زيدان، أما التمثيل فلكل من لمى بدور وتاتيانا أبوعسلي وولاء علوش ولارا حبيب والطفلين شادي بعاج وتيم الزامل.

فيلم زيدان الأول “العين الساحرة” حفل بفضاء حكائي قد يكون بعيدا عن الواقع المعيش، وهو يحمل هواجس وذكريات وأحلام، فكان نسيج الفيلم عالما متداخلا بين الحقيقة والواقع وبين الحلم والوجع، لذلك كان الفيلم مشهدا روائيا بصريا لمصائر مجهولة لثلاث شخصيات تتقاطع مساراتها في لحظة مشوّشة وتغدو الحياة من خلالها شيئا ينوس بين الحلم والحقيقة.

حازم زيدان: في الفيلم أحاول استحضار الأمل من رحم الألم الجاثم على الصدور

هذا المزاج ابتعد عنه زيدان في فيلمه الثاني، حيث تظهر الحكاية التي تتحكم في مفاصله من خلال سيرورة درامية متصاعدة تمشي به نحو خاتمة أرادها المخرج محمّلة برسائل إنسانية عميقة. وهذا ما جعل الفيلم قريبا أكثر وبشكل واضح من الوجع الحاضر في حيوات أشخاص بسطاء ما زالوا متمسكين بالحياة رغم كل الآلام المحيطة بهم.

يقول زيدان عن فيلمه الجديد “أريد من خلاله تلمّس مقدرة الأشخاص على تقديم إجابات عن واقع يعيشونه في ظل ظروفهم الصعبة التي يواجهونها وأحلامهم التي يرومونها. نحن كبشر من حقنا السؤال. لكن هل يتسنّى للآخرين الجواب في ظل هذه الظروف العصيبة، هل ما زلنا ننتظر هذا الجواب؟ هذا ما نحاول استيضاحه في الفيلم”.

الفيلم مثّل التجربة الثانية لزيدان مع المؤسّسة العامة للسينما كمخرج سينمائي، وهو الذي شارك معها في خط مواز لاهتماماته الإخراجية كممثل ضمن فيلم “حنين الذاكرة” للكاتب سامر محمد إسماعيل، وهو مشروع سينمائي شبابي قدّم حكاية على أربع مراحل تستعرض ما يزيد عن الخمسين عاما من تاريخ سوريا. وأخرج كل مرحلة فيه مخرج شاب، هم: يزن أنزور وسيمون صفية وعلي الماغوط وكوثر معراوي. هذا بالإضافة إلى مشاركته كممثل في العديد من الأفلام الروائية الطويلة كـ”أمينة” و”غيوم داكنة”.

حازم زيدان، مخرج سينمائي شاب يشكّل مع مجموعة من الشباب السينمائيين السوريين صوتا مختلفا في فضاء الفن السينمائي، يحاول أن يقدم شكلا سينمائيا جديدا افتقدته السينما السورية منذ فترة، فغدت بطابع واحد لا يتغيّر شكلا ومضمونا ضمن ما اصطلح عليه بالسينما الواقعية.

من هؤلاء الشباب من درس الإخراج أو الإضاءة أو الإنتاج أو غيرها من المهن السينمائية وهم يطمحون إلى تقديم صوتهم المختلف في السينما السورية، متجاوزين بعض العقبات التي تعترض طريقهم، واللافت أن بعضهم حقّق حضورا جيدا على منصات التتويج العالمية من خلال الأفلام التي عملوا عليها. وضمن هذا التوجّه تبدو طموحات ورهانات حازم زيدان بعيدة ومتنوعة، فالشاب درس المسرح، ثم توجّه إلى السينما ليفتح لنفسه من خلالها بوابة جديدة لخيارات فنية يريد من خلالها رواية شيء ما.

الأثافي الثلاث

الفيلم يسبر أعماق مجموعة من الشخوص الذين تطوّقهم الحياة بالكثير من الآلام، ولا يجدون من مفرّ أمامها إلّا بمواجهتها

التمثيل ثم المسرح وأخيرا السينما، ثلاث محطات فنية لا تتصارع عند زيدان بل تقدّم ما يمكن اعتباره مسارا إبداعيا يريد بلوغه بالتراكم. فالبداية كانت مع التمثيل، حيث كان حضوره مميزا في العديد من الأعمال التلفزيونية التي حقّق بعضها نجاحا باهرا خاصة لدى شريحة الشباب كـ”أيام الدراسة” و”بقعة ضوء” و”أصوات خافتة”، وبعد الدراسة المسرحية التي لم تشف غليله المعرفي في الفن درس السينما بالقاهرة.

عمل مبكرا تحت إدارة المخرج السوري المخضرم عبداللطيف عبدالحميد في الفيلم الشهير “مطر أيلول” وجسّد فيه دور الشاب العاشق والمضحي، ثم تتالت التجارب، فشارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية، منها مسلسل “الوهم” قبل عامين، وحاليا يشارك في مسلسل “الكندوش” المرتقب عرضه في الموسم الرمضاني القادم.

أما في المسرح فقد قدّم أعمالا عديدة منها “سوبر ماركت” في العام 2008 و”راجعين” 2010، و”برلمان” 2017، و”فابريكا” 2018 و”الحكايا الثلاث” 2019، كان فيها ولا يزال جزءا حيويا في مسار تجربة والده أيمن زيدان ومشروعه المسرحي الذي يقدّم مسرحا شعبيا نخبويا بعيدا عن الأسلوب المسرحي الشعبي التقليدي.

14