فيلم "سيلما" طريق الحرية يبدأ بحلم وينتهي بنصر

الجمعة 2015/01/23
الفيلم يقدم سيرة مارتن لوثر كينغ القائد الرمز

شعوب وأقوام وتواريخ وأسئلة وثورات ونصر ومجد، خلاصات رافقت مسيرة البشرية في تتبع ذلك النزوع الإنساني الفطري والثوري أيضا إلى الخلاص، لبلوغ الحرية، ذلك الهدف الكبير وقبلة الأحرار والثوار والمتطلعين إلى كينونة لائقة بوجود الإنسان، بصرف النظر عن الانتماء أو العرق أو اللون، ولهذا تستحق تلك الحرية الثمينة كل التضحيات، قرابين على طريق بلوغ الهدف النبيل.

يفيض فيلم “سيلما” للمخرج آفا دوفرتي والذي يعرض بالصالات في أنحاء العالم، بكل الخلاصات المشار إليها آنفا، و”سيلما” هي مدينة تقع على حزام مناطق السود في ولاية ألاباما في الولايات المتحدة، وهي التي انطلقت منها شرارة الثورة للمطالبة بالحقوق المدنية للسود: الحق في التصويت والترشح والمساواة مع البيض، وهي الحركة التي قادها الثائر الكبير وقائد حركة التحرر والحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ عام 1965.

تدور أحداث الفيلم على خطين متوازيين، الأول هو الثورة التي تتشكل في نفوس السود ضدّ بطش السلطات الأميركية وظلمها، سلطات العزل والقهر والتهميش والعنصرية، وصولا إلى القتل الوحشي إبان تلك الحقبة، في مناخ من التمييز العنصري والعرقي البغيض الذي طال ملايين السود في أنحاء الولايات المتحدة.

أما الخط الثاني، فهو جوانب أخرى تتم إضاءتها من سيرة المناضل التاريخي الشاب مارتن لوثر كينغ، الذي أفنى شبابه وحياته من أجل الوصول بأبناء جلدته إلى الحرية والمساواة والحقوق المدنية كاملة غير منقوصة، وخاض صراعا مريرا لسنوات طوال ضد السلطات، حتى اغتياله في العام 1968، فيما هو ينادي “أنا عندي حلم”.


سود وبيض


يركز الفيلم في بنائه السردي على حركة “سيلما” للحقوق المدنية التي صارت علامة فارقة في تاريخ النضال الإنساني، والتحم فيها البيض مع السود، ولا سيما بعد أولى المسيرات الاحتجاجية التي انطلقت في تلك المدينة النائية، والتي انتهت بمقتل وإصابة الكثير من السود الذين شوهدوا على الشاشات وهم يطاردون بالهراوات ويضربون بالرصاص، ويتعرضون لآلة القتل والتعذيب الوحشية التي لا تميّز ما بين كبير وصغير ولا بين امرأة ورجل.

من هنا صرنا أمام قوتي صراع رئيسيتين في هذه الدراما الفيلمية المتصاعدة، وهما اللتان بني عليهما السرد الفيلمي، وهما قوتا صراع غير متكافئتين

وهو ما تناقلته وسائل الإعلام وتسبب في صدمة في أوساط الرأي العام، مما دفع البيض إلى الالتحاق بالتمرد والانضمام إلى التظاهرة الكبرى التالية، ويصبح مقتل المتظاهر الأعزل “جيمي لي جاكسون” علامة إدانة للنظام كله.

مارتن لوثر كينغ (الممثل ديفيد أيدلو) يظهر وهو يتسلم جائزة نوبل للسلام في العام (1964)، أي من النهايات ومرحلة التتويج والنصر، سنعود معه إلى البدايات الأولى لانطلاق شرارة الثورة، لا سيما وهو الرجل المثقف والمحاور والمتحدث والخطيب اللبق، وها نحن نشاهده في مشهد لافت أثناء لقائه برئيس الولايات المتحدة إبان تلك الحقبة، الرئيس ليندون جونسون (الممثل توم ولكنسن).

فالرئيس وفريقه وأجهزة “أف بي أي” يصغون جيدا للمطالب الواضحة لكونها ببساطة شديدة -الحق في الحرية والعدالة الاجتماعية، الحق في التصويت والترشح للانتخابات- مطالب واضحة سرعان ما يلتف حولها الرئيس وفريقه قائلين إن ولاية ألاباما وسائر ولايات الجنوب الأميركي العامرة بالسود، هي أحوج ما تكون إلى التنمية والتعليم أكثر من أي شيء آخر، وهي كلمة حق يراد بها باطل، لغرض التملص من الحقوق والمطالب المشروعة.

من هنا صرنا أمام قوتي صراع رئيسيتين في هذه الدراما الفيلمية المتصاعدة، وهما اللتان بني عليهما السرد الفيلمي، وهما قوتا صراع غير متكافئتين على أي حال، ففريق كينغ لا يضمّ إلاّ فئة قليلة من أتباعه.

فعندما انطلقت حركة الحقوق المدنية في “سيلما” كان أتباعها قليلين لا يتجاوزون بضع مئات، مما جعل السلطات تستهين بهم، الأمر الذي جعل الرئيس جونسون شخصيا يسكت على قمعهم على يد حاكم الولاية ذائع الصيت والأكثر دموية وعنصرية جورج والاس (الممثل تيم روث).

فهو الذي أعطى إحساسا حتى لدى الرئيس جونسون بأنه لا ينبغي السكوت على مثل هذه الأنشطة الخطيرة التي تخل بالأمن والاستقرار، كما يزعم، وأن الزنوج إذا ما أعطوا حقا فسيطالبون بآخر، وأن ذلك هو الدهاء الذي يضمرونه، ولهذا ظل يسخر قوات الشرطة وسائر قوات الأمن في الولاية لترويع السود وردعهم، وصولا إلى قتل من يواصل مشروع المظاهرات المطالبة بالحريات والحقوق المدنية.

كينغ أفنى شبابه وحياته من أجل الوصول بأبناء جلدته إلى الحرية والمساواة والحقوق المدنية كاملة غير منقوصة

كينغ في مسيرته عبر أحداث الفيلم، لم يخرج قيد أنملة عن مبدإ سلمية الثورة، رغم ما واجهه من تحريض من بعض مناصريه في لحظات يأسهم، وما استطاع خصومه جرّه إلى المواجهات العنيفة والانتقام والانتقام المتبادل، بل إن سرّ قوته وقوة حركته يكمن في التمسك بسلمية الثورة، لا بمقارعة السلاح بالسلاح.

وكينغ يمتلك أكثر من سبب يمنعه من الانزلاق إلى العنف والدم، فحركته سلمية أولا وأخيرا، كما أنه يعلنها مرارا في خطاباته أن تميزهم يكمن في حركتهم السلمية التي تستطيع أن تهزم أعتى السلطات، ماداموا متمسكين بالمسيرة السلمية منطلقين من مدينة سيلما في اتجاه مدينة مونتغومري وصولا إلى واشنطن.


رمزية المدينة


يقدم الفيلم من خلال ذلك المزج بين الوثائقي والسردي الروائي بعدا ما للمدينة، المكان؛ سيلما المدينة الصغيرة المتواضعة التي سرعان ما ستتحول إلى ند قوي لسلطات الولايات المتحدة ومصدر قلق وتحسب، ولا يكاد اجتماع لرئيس أميركا يخلو من الحديث عن رمزية مدينة سيلما، كحاضنة للثورة والثوار، التي يجب أن يحسب لها حساب.

هناك عند جسر إيدموند بيتس ستنسج خيوط الثورة إذا، وسيعلو صوتها على أي صوت، مارتن لوثر كينغ لا يجد إمكانية للحوار مع مالكوم إكس، الرائد الآخر لثورة الحريات المدنية ذائع الصيت الذي، كما يظهر الفيلم، يحاول إثناء كينغ عن المضي في طريق الصدام والمواجهات مع السلطات، الأمر الذي سيرفضه كينغ، فلا يجد سبيلا للحوار معه، ويلجأ إكس إلى محاورة عدد من مساعدي كينغ بمن فيهم زوجته، ولكن دون جدوى، حيث يصرح كينغ: “أنا عندي نفسي والحقيقة، وإن لنا طريقين مختلفين”.

في آخر حوار من حوارات كينغ والرئيس جونسون، وقد كان حوارا محتدما وصريحا، يسأل كينغ الرئيس، ما معنى أن يتم اغتيال أحد القساوسة البيض، عقابا له على مشاركته في إحدى مظاهرات مدينة سيلما، ويفسر على أنه انتقال شرير وبالغ القسوة إلى نوع من البطش الذي يناقض قوانين الولايات المتحدة، والذي يقع في صلب مهمة رئيس الولايات المتحدة كراع لكل الأميركيين، بصرف النظر عن أعراقهم وأصولهم، وهو الإنذار الأخير للسلطات بأن الثورة والمسيرات السلمية ستتواصل دونما توقف، حتى بلوغ كل أهداف السود في حياة كريمة وحقوق كاملة، وهو ما يثير جدلا بين الرئيس جونسون وحاكم ولاية ألاباما الأكثر تشددا ضد السود.

الفيلم يركز في بنائه السردي على حركة “سيلما” للحقوق المدنية التي صارت علامة فارقة في تاريخ النضال الإنساني، والتحم فيها البيض مع السود

يصرخ كينغ: “أيها الأميركيون إذا كنتم تؤمنون بأن الناس قد خلقوا أحرارا ومتساوين، بصرف النظر عن لونهم أو عرقهم، فانضمّوا إلينا في سيلما”.

مسيرة سيلما عام 1965 التي وصلت إلى البيت الأبيض، واحتشد فيها عشرات الآلاف من السود المضطهدين ودعاة الحقوق المدنية، وانضمّ إليهم الأميركيون من البيض المؤمنين بسلمية الحركة والحقوق المتساوية، أعلنوا: “نحن هنا ولن نتزحزح، والحرية تبدأ بحلم سيصبح حقيقة”.

وهو ما تحقق بالفعل، حيث أعلن الرئيس جونسون الموافقة على المطالب، وصدرت تشريعات وقوانين جديدة توفر للسود كامل حقوقهم، حينها ألقى مارتن لوثر كينغ خطاب النصر أمام الحشود في المشهد الأخير من الفيلم.

16