فيلم "عالم ليس لنا".. نوستالجيا المخيمات رغم الخيبات

الثلاثاء 2014/01/07
الكبار سيموتون.. لكن الصغار لن ينسوا

باريس - يروي الفيلم المأساة الفلسطينية بأسلوب ذاتي وجديد لم نعهده من قبل في الأفلام التي تعالج هذا الموضوع. عنوانه مأخوذ من عنوان مجموعة قصصية لغسان كنفاني، ويعتمد على ذكريات الطفولة والمراهقة التي عاشها المخرج في كنف عائلة فلسطينية في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين الواقع في ضواحي مدينة صيدا. ويعدّ هذا المخيم أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان ويقيم فيه أكثر من سبعين ألف لاجئ فوق رقعة جغرافية ضيقة. فبموازاة مشكلة الاكتظاظ السكاني وانعدام البنى التحتية لا يستطيع هؤلاء الخروج والتنقل بحرية خارج المخيم دون ترخيص من الأمن العام اللبناني، وهم يعانون من حرمانهم من حقوقهم المدنية والاجتماعية.

أمضى المخرج مهدي فليفل سبع سنوات في إنجاز فيلمه، وهو يلعب دور الراوي الذي يسترجع الأيام التي كان يقضيها في المخيم. وكان يقصده أيضا أيام العطل الصيفية لأن عائلته اختارت الهجرة إلى الدنمارك. ومنذ اللقطات الأولى للفيلم يشعر المتفرج بعلاقة الحب التي تربط المخرج بالمخيم وبعالمه “السحري” الذي يبدو في عينيه كأنه مدينة ملاهي، ومكان آمن يلعب فيه الطفل مع أصدقائه بمرح وطمأنينة بعيدا عن السياسة والمعاناة. يعبر عن فرحه بالأجواء المهيمنة خلال مباراة كأس العالم لكرة القدم. يصوّر أعلام البرازيل وإيطاليا وألمانيا المرفرفة على السطوح وعلى السيارات، والحماسة الكبيرة التي يبديها أهل المخيم عند متابعتهم للمباريات.

لكن المخرج لا يتوقف عند هذه المظاهر الاحتفالية التي تفاجئه كفلسطيني قادم من الدنمارك، بل يذهب أبعد من ذلك ليطال الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ويصفي حساباته مع الجهات التي راح ضحيتها اللاجئون الفلسطينيون داخل وخارج فلسطين منذ النكبة.

فعلى الرغم من سعادته بلقاء جدّه وأقاربه وأصدقائه، يتوقف عند الظروف غير الإنسانية التي يعيشها أهل المخيم، مركزا على عدد من الشخصيات منها جدّه الذي يمثل الجيل الأول من اللاجئين، والذي استقرّ في المخيم منذ الثامنة عشرة من عمره، وهو وعلى الرغم من بلوغه الثمانين لم يفقد الأمل في العودة ويمضي وقته وحيدا بعد وفاة زوجته. بحثا عن الهدوء والسكينة، نراه يسكت الأطفال الذين يحدثون ضجة كبيرة في الشارع الذي يعيش فيه.

غير أن الشخصية الأبرز في الفيلم هي “أبو إياد”، صديق المخرج الذي يختصر معاناة الشباب الفلسطيني في المخيمات، حيث الأبواب مغلقة في وجههم بلبنان ولا آفاق مستقبلية إلا بالرحيل إلى الخارج، كما فعل والد المخرج الذي هاجر إلى الدنمارك كما أشرنا. وأبو إياد هو الاسم الحركي لبسام طه، الشاب الذي التحق بحركة فتح منذ أيام الطفولة. ونستمع إليه يتكلم بنبرته الغاضبة وبألفاظ قاسية وبذيئة، ويقول رأيه في الثورة التي فشل مشروعها الوطني فبقي اللاجئون بمخيماتهم ولا أمل لديهم في العودة.

لكن على الرغم من هذا الواقع اليائس، لم ينس الشباب فلسطين والمخرج يكرر مرات عديدة في الفيلم عبارة بن غوريون عن الفلسطينيين: “الكبار سيموتون والصغار سينسون”، فيتحداه بإنجازه هذا الفيلم مبينا أن الفلسطيني لم ينس أرضه، وهو يحن إليها ويزورها كسائح عندما تتاح له الفرصة، تماما كما حصل معه عندما عاد إلى فلسطين بصفته طالبا دنماركيا في إطار مشروع تبادل للطلاب بين إسرائيل والدنمارك.

16