فيلم عن مجلة فرنسية غيرت وجه الكوميديا

اشتهرت مجلة “ناشيونال لامبون” الأميركية خلال سبعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة بوصفها منصة ساخرة وساتيرية لا تعرف حدودا، وعبر ما يقارب خمسة وعشرين عاما شكّلت ظاهرة صحافية وسياسيّة أكسبت القائمين عليها شهرة هائلة.
الثلاثاء 2018/02/06
محاكاة ساخرة لواقع أكثر سخرية

باريس- الاستفزاز الذي مارسته والانتقاد العلني دون أي خطوط حمراء كانا وسيلة مجلة “ناشيونال لامبون” الأميركية في سبعينات القرن الماضي لجذب القراء من جهة، وتجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة على حق السخرية والانتقاد من جهة أخرى، أما نشاط مؤسسي المجلة فاتسع ليشمل المسرح والتلفزيون والسينما، لتتحول الـ”ناشيونال لامبون” والقائمون عليها إلى ظاهرة كوميدية وجماهيرية لا يمكن نسيان تأثيرها على حرية التعبير.

وشهد مهرجان سانداس هذا العام العرض الأول لفيلم “حركة غبية وقاتلة” من إخراج دايفيد واين الذي عُرف بأفلامه الكوميدية والمثيرة للجدل، وفيه يقدّم ما يشبه سيرة ذاتية لدوغ كيني مؤسس مجلة الـ”ناشيونال لامبون” الشهيرة.

و”حركة غبية وقاتلة” من بطولة كل من ويل فورت ومارتن مول اللذين يؤديان دور كيني، حيث يلعب مول دور كيني الراوي المراقب الذي يحكي لنا الآن وهنا عن بداية تأسيس المجلة في نيويورك وصراعها مع الناشرين، أما فورت فهو من يعيش الأحداث في الماضي غير مدرك لوجود الراوي الذي يتحكّم بسير الحبكة، لا مجرّد التعليق عليها.

ويعرفنا الفيلم على عناصر الكوميديا والسخرية التي وظفتها المجلة ضمن مسيرتها وكيف بدأت من ناد سري في جامعة هارفرد، ثم تحولها إلى ظاهرة كوميدية، فالمجلة اعتمدت على النصوص الساخرة إلى جانب تقنية البارودي أو المحاكاة الساخرة وقيمتها النقدية وقدرتها على انتقاد وكشف العيوب وتجاوزات النظام الاجتماعي والسياسي في أميركا، ما أدخل المجلة وناشرها في مشكلات قانونية كثيرة.

وتبرز المحاكاة الساخرة أيضا في تقنية بناء الفيلم ذاته الذي يهزأ من أفلام السيرة الذاتية، فالراوي هو ذات البطل لكن بعد وفاته، ويكشف لنا عن الممثلين وشخوصهم الحقيقية، إلى جانب السخرية من أنظمة التمييز والهيمنة الثقافية التي لم تكن حدثا يهمّ الجميع في سبعينات القرن الماضي.

فالفيلم الذي تعرضه أيضا شبكة “نيتفليكس” يسخر من الـpolitical correctness (ما يمكن تسميته بالسياسي الصحي) الذي تمارسه الشبكة ذاتها، عبر الإشارة إلى تمثيل الأقليات والتحرّش الجنسي وغيرهما من القضايا التي كانت تثيرها المجلة وسخرت منها حينها، فراوي الفيلم ينتمي إلى زمننا الآن ويعي الشكل الفني المستخدم لنقل الحكاية، ليكون وعيه الذاتي هذا نقديا وسياسيا في ذات الوقت.

وسيرة دوغ كيني الحقيقية مأساوية بصورة لا تشبه ما نراه في الفيلم، فبعد تداعي المجلة والانتقادات السيئة التي نالها الفيلم الثاني الذي أنتجه -وهو في الأصل مهتم بالسينما كما تقول سيرته الذاتية- يدخل في صراع مع الكحول والمخدرات، لينتهي به الأمر ميتا إثر سقوطه من أعلى جرف.

هذه النهاية تحضر في الفيلم، لكن دون أن تشكل تغييرا في ثيمته الكوميدية الساخرة، إذ تتحوّل جنازة كيني في نهاية الفيلم إلى عراك بالطعام بين الحاضرين، ويبدأ الراوي بالحديث مع ذاته الميتة، ليبدو الأمر كله أشبه بمزحة كبرى.

وكأن حياة كيني نفسها أشبه بسوء فهم، فالراوي أو دوغ كيني المتخيّل يسخر من نهايته وما ضيّعه في حياته، ويأخذ مسافة نقدية من الحقيقة والحكاية عن الحقيقة في ذات الوقت.

وكأن الفيلم كوميدي قائم على سوء اقتباس من حياة كيني الحقيقية، ليغدو الفيلم أشبه بانتقاد لجديّة الشكل الفني وما يمثله من جماليات، لتبرز السخرية وتشويه عناصر الحقيقة كقيم تهدف إلى اللعب وطرح التساؤلات.

ووجّهت للفيلم الكثير من الانتقادات التي لا تبدو منطقية كونه محاكاة ساخرة، إذ قيل إنه لا يتناول حياة كيني بالعمق الكافي، بل وكأن الأمر أشبه بحكاية مُضحكة تتناول لحظات نجاحه فقط، دون التطرّق بصورة كافية إلى مشكلاته الشخصية، كإدمانه على المخدرات ونزقه الحاد.

بالإضافة إلى عدم شرح الظروف السياسية والشخصية التي أدّت إلى نجاحه الباهر، وكأن الفيلم يدعو المشاهد إلى المزيد من البحث وقراءة سيرة كيني ليدرك مدى تأثيره على صناعة الكوميديا والنشر.

16