فيلم لا يشيخ عنوانه تشارلي تشابلن

إنه آدم الذي انحدر من ضلعه السينمائيون جميعا والصعلوك الأيقونة الذي أضحك العالم وأبكاه.
السبت 2019/10/12
اللندني العظيم الذي أنتج أفلاما لا تشيخ

الحديث عن تشارلي تشابلن مغامرة.. هو أكبر من التصنيف، وخارج دائرة النقد، إنه آدم الذي انحدر من ضلعه السينمائيون جميعا، كما قال عنه المخرج الإيطالي فيديريكو فلليني يوما. هل يحق لنا مع أفلام “اللندني العظيم” أن نتحدث عن أفلام لا تموت، بينما هي في حقيقة الأمر، أفلام لا تشيخ.. إنها، بعد مرور مئة عام، طازجة وساخنة، مثل رغيف خبز خرج لتوه من الفرن.

كان نصبا تذكاريا، لجميع البلدان ولجميع الأوقات، وأجمل هدية قدمتها لنا السينما. كنا محظوظين لأننا عشنا في زمنه. إنه تشارلي تشابلن، كما رآه المخرج رينيه كلير، الصعلوك الذي أضحك العالم وأبكاه في آن واحد. الأجيال التي لم تكن محظوظة ولم تعش زمن تشابلن، ولم تشاهد يوما فيلما من أفلامه، تعرف من يكون الصعلوك الذي تحول إلى أيقونة، مثله مثل أهرامات مصر وبرج إيفل وتمثال الحرية.

عن أي فيلم نتحدث، من أفلامه التي تجاوز عددها 82 فيلما، إضافة إلى خمسة أفلام لم تكتمل؟ تعالوا نتحدث عن السير تشارلز سبنسر تشابلن، الذي امتدت حياته المهنية لأكثر من 75 سنة، من بداية طفولته في العصر الفيكتوري، وانتهت قبل وفاته بعام واحد.

لم يولد، تشارلي تشابلن، كما يوحي اللقب والاسم، في عائلة أرستقراطية، بل عاش طفولة تعيسة، يتخللها الفقر. كان والده سكيرا يقضي جل وقته بعيدا عن المنزل، وكانت والدته تجاهد لتأمين لقمة العيش. أما هو فخبر حياة الإصلاحية مرتين، قبل أن يبلغ سن التاسعة.

عشقه للمسرح بدأ في سن مبكرة، متجولا بين صالات العرض المسرحي، حيث عملت أمه “هانا”، وهي ابنة إسكافي، لفترة قصيرة ممثلة، وكان اسمها الفني ليلي هارلي. وعمل والده تشارلز ابن الجزار، مغنيا شعبيا.

مسيرته المهنية وصفها كاتب سيرته، ديفيد روبنسون، بأنها واحدة من “أكثر القصص الدرامية التي ذكرت بالتاريخ عن التحول من حياة الفقر إلى حياة الثراء”. ولكن، أليس للفقر، في بعض الحالات، لذّات ومنافع كلذات ومنافع الغنى؟

رغم الطفولة البائسة التي عاشها برفقة والدته، إلا أن الحياة معها كانت ملهمة، تقص عليه قصصاً درامية، وتعلمه الكثير عن المسرح والموسيقى.

عام 1894 شهد حادثا غير مجرى حياته، ومهد لولادة الصعلوك “اللندني العظيم”.. كان تشابلن في الخامسة من عمره.

ذهب رفقة والدته إلى مسرح “كانتين”، كانت والدته تظهر على خشبة المسرح باسمها الفني، ليلي هارلي، وكان هو يقف خلف الكواليس يراقبها تغني. فجأة أصيبت بحبالها الصوتية وتلعثمت، ليبدأ الجمهور بإطلاق صيحات الاستهجان، وقذفها بما تطاله أيديهم.

هرع الطفل إلى خشبة المسرح وأكمل الأغنية. استطاع أن يبهر الجميع ليصفّقوا له ويرموا إليه قطعا نقدية.

حدث فريد، ليس فقط للطفل تشابلن، بل لتاريخ السينما.. مهد الطريق أمام تشابلن ليلتحق بفرقة “فتيان لانكشاير الثمانية”، وكانت هذه الفرقة تؤدي رقصة القبقاب. عمل بجد وكان عمره حينها لا يتجاوز العاشرة، إلا أنه لم يكن يرغب بالرقص، كان يفضل الكوميديا. وكان له ما أراد.

عندما بلغ سن الثالثة عشر تخلى عن التعليم، وفي مسرح “تشارلز فرومان” قابل المدير، الذي اكتشف فورا إمكانيات تشابلن، وأسند إليه دورا في مسرحية. بدأ العرض في يوليو 1903، ولاقى أداؤه الثناء والتقدير، رغم فشل المسرحية.

الخطوة التالية كانت لندن، التي دخلها غازيا في سن السادسة عشر، لحظة قال عنها “إنها بشرى من السماء”.

كان يمثل بصمت لكنه ينتقد الانظمة السياسية بصوت عال
كان يمثل بصمت لكنه ينتقد الانظمة السياسية بصوت عال

في أبريل 1910، حلت فرقة “كارنو” الأميركية، في لندن، وكان وجودها فرصة لتحقيق حلمه في الذهاب إلى أميركا، ومن حسن حظه، أن مدير الفرقة انتبه لمهاراته، وطلب منه أن يكون أحد أعضاء الفرقة المتجولة.

كان تشابلن على رأس العرض، وقد أعجب أداؤه المشاهدين، الذين قالوا عنه أنه أفضل فنان إيمائي شاهدوه. وكان أكثر دور ناجح له، وهو في حالة سكر، ليلقب بـ“السكير المتأنق”.

السينما هي الخطوة التالية التي لم يكن متحمسا لها. ومع ذلك كان على قناعة أنها ستعني له حياة جديدة. وعندما وصل إلى لوس أنجلوس، موطن استوديوهات الشركة كان عمره 24 عاماً. تعرف هناك على صناعة الأفلام، وأدى أول أدواره في فيلم قصير له، هو، كسب العيش، وعرض في 2 فبراير 1914.

عندما وقف أمام الكاميرا للمرة الثانية، ليؤدي دورا في فيلم، “مأزق مابل الغريب”، اختار زيا فريدا: سروال فضفاض، وحذاء ضخم، مع عصا وقبعة. أراد أن يبدو كل شيء متناقضا، السروال مبالغ في اتساعه، والمعطف ضيق، والقبعة صغيرة جدا والحذاء ضخم. واختار أن يضيف شاربا صغيرا، يضفي على الشخصية الكبر دون إخفاء التعابير.. سار بخطى متعجرفة إلى خشبة المسرح. عندها وُلدت شخصية المتشرد الصعلوك.

سمحت شركة “كيستون” للإنتاج السينمائي، لـتشابلن أن يقوم بإخراج فيلمه التالي، بعد أن وعد بدفع مبلغ 1500 دولار للشركة إذا فشل الفيلم. في 4 مايو 1914 عرض فيلم، “عالق في المطر”، وكان أول فيلم من إخراجه، ليحقق نجاحا منقطع النظير. قام على إثره بإخراج جميع الأفلام القصيرة لاستوديوهات كيستون التي يظهر فيها، وكانت بمعدل فيلم كل أسبوع.

في عام 1919، شارك تشابلن في تأسيس شركة توزيع الأفلام “يونايتد آرتيست”، التي أتاحت له التحكم بأفلامه بشكل كامل. وكان فيلم “الطفل”، أول فيلم طويل له، لتتلوه أفلام “امرأة”، “حمى الذهب” و“السيرك” الذي أنتجه عام 1928.

في ثلاثينات القرن العشرين، رفض الانتقال إلى السينما الناطقة، وبدلاً من ذلك أنتج فيلم “أضواء المدينة” عام 1931 و“الأزمنة الحديثة” عام 1936، دون حوار صوتي.

في ذلك الوقت ظهرت ميول تشابلن السياسية، وكان فيلمه، “الدكتاتور العظيم”، الذي أنتجه عام 1940، وكان تهجمه على أدولف هتلر دلالة على تلك الميول.

اللندني العظيم الذي أنتج أفلاما لا تشيخ
اللندني العظيم الذي أنتج أفلاما لا تشيخ

أمضى تشابلن سنتين في تطوير النص، ليبدأ تصوير الفيلم في سبتمبر 1939، بعد ستة أيام من إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا، استخدم فيه الحوار الصوتي، مضطرا، فهو الطريقة الوحيدة لإيصال رسالة سياسية.

كانت عملية صنع فيلم كوميدي حول هتلر، مغامرة مثيرة للجدل، لكن استقلال تشابلن المالي سمح له بالمخاطرة، قائلا “على هتلر أن يضحك”.

لاقى الفيلم رواجا هائلا، ووصفه ناقد من صحيفة نيويورك تايمز بأنه “فيلم العام المنتظر”، ليصبح أكثر فيلم يحقق إيرادات في عصره. وتم ترشيحه لخمس جوائز أوسكار؛ أفضل فيلم، أفضل سيناريو أصلي، أفضل ممثل، أفضل ممثل مساعد، وأفضل موسيقى تصويرية.

وكان تشابلن في معظم أفلامه يكتب ويخرج وينتج ويحرر ويلحن الموسيقى. كان طموحه الكمال.

في منتصف الأربعينات، تورط تشابلن في سلسلة من القضايا، استغرقت معظم وقته، ونالت من سمعته بسبب علاقته مع ممثلة مبتدئة هي، جوان باري، التي تعاني من وسواس قهري، وتم القبض عليها مرتين بعد انفصالهما، لتظهر معلنة أنها حامل من تشابلن، الذي أنكر أبوة الطفل، فرفعت ضده دعوة إثبات أبوة.

في أكتوبر 1944 أنجبت باري طفلتها، وبعد جلستين في المحكمة، اتهم محامي الادعاء تشابلن بالفساد الأخلاقي، ولم تأخذ المحكمة بأدلة اختبار الدم التي جاءت بالنفي، وأُعلنت أبوة تشابلن للطفلة. وسرب مكتب التحقيقات الفيدرالي التغطية الإعلامية التي رافقت القضية، وقدم المعلومات إلى الصحفية، هيدا هوبر، محررة أخبار المجتمع، التي هاجمت تشابلن ليظهر بشكل خسيس مما تسبب له بالإحراج.

أبعدت القضية تشارلي عن عمله، لتتأخر جميع مشاريعه، وفي أبريل 1946، بدأ تصوير فيلم كان قد أعد له منذ عام 1942، هو فيلم، “السيد فيردو”، الذي يصنف ضمن الكوميديا السوداء. يروي الفيلم قصة موظف بنك فرنسي اسمه فيردو، يفقد وظيفته ليبدأ بالتودد لأرامل ثريات، يعرض عليهن الزواج، ثم يقتلهن لإعالة أسرته. استوحى الفيلم عن قصة للكاتب، أورسن ويلز، بعد أن اشترى حقوق استخدام الفكرة بمبلغ خمسة آلاف دولار.

مرة أخرى يعود تشابلن للتعبير عن آرائه السياسية في فيلم، منتقدا الرأسمالية بشكل واضح ومباشر، ومتهما العالم بالتشجيع على الحروب والقتل الجماعي. وأدت آراؤه السياسية المباشرة إلى فشل الفيلم في الولايات المتحدة، وظهرت دعوات تطالب بمقاطعته ومنعه من العرض.

هذا كله لم يمنع من نجاح الفيلم، خارج الولايات المتحدة، ورشح السيناريو لنيل جائزة الأوسكار. وعبر تشابلن عن اعتزازه بالفيلم وكتب في سيرته الذاتية لاحقا، أن فيلم “السيد فيردو” أذكى وأروع الأعمال التي أنجزها.

الأميركيون الذين باشروا حربا ضد الشيوعية، اعتبروا الفيلم نقطة سوداء في تاريخ تشابلن، واعتُبر واحدا من أبرز نشطاء المشهد السياسي، ووصفت مواقفه بأنها تقدمية وخطيرة ولا أخلاقية. وخطط مكتب التحقيقات الفيدرالي لطرده من البلاد. نفى تشابلن تهمة الشيوعية، وقال إنه “داعية سلام”، وإن الجهود التي تبذلها الحكومة في قمع الأفكار والعقائد، تعتبر تعديا على الحريات المدنية. وتلقى مذكرة للمثول أمام لجنة التحقيق، لكنه لم يستدعَ للشهادة. لتثار الشبهات حول رفضه الحصول على الجنسية الأميركية. ويطلب منه مغادرة البلاد.

كان عضو الكونغرس الأميركي، جون رانكين، الذي ساهم في إنشاء لجنة التحقيق الخاصة بالأنشطة المعادية لأميركا، واحدا ممن ضغطوا لترحيله، معتبرا أن نشاط تشابلن في هوليوود ضار بالنسيج الأخلاقي للولايات المتحدة، طالبا حظر صورته البغيضة عن أعين الشباب، والتخلص منه للأبد.

فيلمه التالي هو “أضواء المسرح”، كان فيلما خاليا من السياسة، تدور أحداثة حول راقصة باليه شابة. سيرة ذاتية، ليست عن طفولة تشابلن وحياة والديه فحسب، بل أيضا عن خسارة شعبيته في الولايات المتحدة.

الصعلوك الذي تحول إلى أيقونة
الصعلوك الذي تحول إلى أيقونة

بدأ تصوير الفيلم في نوفمبر 1951، بعد أن أمضى ثلاث سنوات يعمل على القصة. وقرر تشابلن أن يكون العرض الأول للفيلم في لندن. وفي 18 سبتمبر 1952 استقل سفينة البريد الملكي للملكة إليزابيث، من مدينة نيويورك، هو وأفراد أسرته في اتجاه إنكلترا. وقد اتخذ قرارا بقطع كل علاقة تربطه بالولايات المتحدة، و”أخلاقها المتبجحة”.

لم يحاول تشابلن العودة إلى الولايات المتحدة، وقرر العيش في سويسرا، وفي يناير 1953 انتقلت العائلة إلى مسكن دائم، عقار مساحته 14 هكتارا، يطل على بحيرة جنيف. وقطع آخر علاقاته المهنية مع الولايات المتحدة عام 1955، عندما باع ما تبقى من حصته في يونايتد آرتيست، التي كانت تعاني من صعوبات مالية.

لم ينقطع الجدل الذي أثير حول شخصية تشابلن، لاسيما بعد حصوله على جائزة السلام الدولية ولقاءاته مع، الزعيم الصيني تشو إن لاي، والزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف.

في عام 1954 بدأ في إعداد فليمه الأوروبي الأول، “ملك في نيويورك”، أدى فيه دور الملك المنفي، الذي يود اللجوء إلى الولايات المتحدة. في هذا الفيلم يوظف الهجاء السياسي، ساخرا من لجنة التحقيق الخاصة بالأنشطة المعادية لأميركا، مهاجما التقاليد الثقافية لفترة الخمسينات.

عرض الفيلم في سبتمبر 1957، وكانت ردود الأفعال عليه متباينة. ومنع تشابلن الصحافيين الأميركيين من تغطية العرض في باريس، وقرر عدم عرضه في الولايات المتحدة. وقد حد هذا من الإيرادات، بالرغم من أن الفيلم حقق نجاحا تجاريا مقبولا في أوروبا. ولم يعرض الفيلم في الولايات المتحدة حتى عام 1973.

مع بداية الستينات بدأ الجو السياسي في الولايات المتحدة يتغير، ليوجه الاهتمام مرة أخرى إلى أفلام تشابلن، وفي يوليو 1962، نشرت صحيفة، نيويورك تايمز، افتتاحية تقول فيها “لا نعتقد أن الجمهورية ستكون في خطر إذا سمح للصعلوك، الذي لم يُنس، أن يركب باخرة أو طائرة تقله إلى الموانئ الأميركية”.

في نفس الشهر، حصل تشابلن على الدكتوراه الفخرية من جامعتي أوكسفورد ودرم. وفي نوفمبر 1963، بدأ مسرح بلازا في نيويورك بعرض سلسلة أفلامه على مدار العام. وشهد شهر سبتمبر 1964 إصدار مذكرات تشابلن، التي عمل عليها منذ عام 1957. 500 صفحة، ركز فيها على سنواته الأولى وحياته الشخصية، لتصبح من أكثر الكتب مبيعاً في العالم.

بعد نشر مذكراته بوقت قصير، بدأ العمل على فيلم، “كونتيسة من هونغ كونغ”، كوميديا رومانسية بطولة، مارلون براندو، في دور سفير أميركا، وصوفيا لورين، في دور مسافرة هاربة وجدها في مقصورته. استخدم فيه لأول مرة التصوير بالألوان والشاشة العريضة، مركزا على الإخراج، ليظهر على الشاشة في دور ثانوي، خادم مصاب بدوار البحر. وأصيب تشابلن بإحباط بسبب ردة الفعل السلبية حول الفيلم، مما جعله الفيلم الأخير له.

في عام 1972، قدمت أكاديمية الفنون جائزة فخرية لتشابلن، تردد في قبولها، لكنه قرر العودة إلى الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ 20 عاماً، لاستلامها. جذبت الزيارة تغطية كبيرة، وقوبل في حفل الأوسكار، بتصفيق حار لمدة 12 دقيقة، تعد الأطول في تاريخ الأكاديمية. وبعاطفة واضحة، قبل تشابلن جائزته.

في تكريم السنة الجديدة، عام 1975، منحته ملكة بريطانيا، إليزابيث الثانية، وسام الفروسية ولقب “سير”، ورغم ضعفه تلقى الشرف وهو على كرسيه المتحرك.

وفي صبيحة 25 ديسمبر 1977، توفي في منزله، بعد تعرضه لسكتة دماغية، عن عمر يناهز 88 عاماً. ودفن في مقبرة، كورسير- سور- فيفي، في سويسرا. تاركا لنا أيقونة اسمها الصعلوك.

أزياء شابلن في معرض بسويسرا
أزياء تشابلن في معرض بسويسرا

 

16