فيلم لبناني يستلهم أزمة طارئة ليروي مأساة شعب

المخرجة اللبنانيّة مُنية عقل: المقاربات التي كنت أُجريها في طفولتي ما بين الحروب داخل منزلنا والحروب خارجه، هي جوهر ما أسعى إلى تحقيقه.
الجمعة 2019/08/09
القمامة الفائضة في لبنان ليست إلا عنوانا لمأساة أكبر

حين التقيتها للمرّة الأولى في مهرجان “كان” إثر عرض شريطها القصير “سبمارين” ضمن إحدى المسابقات الفرعية للمهرجان في عام 2016، لم تنفِ قناعتي بأن هذا الفيلم القصير ليس إلاّ مشروعا لعمل روائي طويل، واكتشفتُ خلال استعراضها لمشروع فيلم “كوستا براڤا ليبانون” في مسابقة سوق الفيلم في مهرجان مالمو للسينما العربيّة 2018، والذي فازت بجائزة دعم الإنتاج فيه، بأن في مشروع  ذلك الفيلم الكثير والكثير من “سبمارين”. وربّما سنلتقي فيه ببعض الشخصيات التي كانت ضمن ذلك العمل “سبمارين”.  فكيف سارت الأمور ليتحقّق كل ذاك؟

 روما – تبتسم المخرجة اللبنانيّة الشابة منية عقل قبل الردّ على هذا السؤال، ربّما لأنّها تذكّرت مشاعر الانفعال الجميل التي انتابتها لمجرد الحضور في مهرجان سينمائي كبير كمهرجان “كان”، أو ربّما، لتؤكّد لي صحّة ما كنت ذهبت إليه في حينه، وتقول “أعتقد بأنّ ‘سبمارين’ أعانني كثيرا لأُدركَ أيّ فيلم روائي أول أرغب في إنجازه. ثمةَ الكثير من المشتركات ما بين ‘سبمارين’ و’كوستا براڤا ليبانون’، وقد تطوّر المشروع في هذا الاتّجاه، وأعتقد بأنّني أدركت بالفعل جوهريّة ما كنت أرغب في قوله، ثم أنّني أدركت ماهيّة الوضع الذي كان قائما بينما كنتُ أُنجز ‘سبمارين’، إلاّ أن في الفيلم الروائي الكثير من نبرة السخرية الناتجة عن الحالة المتفجّرة واليائسة التي تعيشها الشخصيات، ومن كيفية الحصول على الوقت وعلى الأوكسجين. وإذا ما كان ‘سبمارين’ هو حكاية امرأة واحدة، فإن ‘كوستا براڤا’ هي حكاية عائلة. وكان ضروريّا لي أن أغوص، بفيلمي الروائي الأول، في تفاصيل عائلة، وفي كيفية تحوّل سلوك الناس خلال أوقات الأزمات”.

أدوار الموسيقى

 كان المكان والخلفية التي تتحرّك فيها الشخصية الرئيسية في “سبمارين” ومن حولها من ناس المكان، ضروريّا للغاية. وقد كانت الموسيقى بالتحديد عاملا هامّا للغاية لاستذكار الماضي الذي دُفن تحت آلاف الأطنان من القمامة. وبما أنّك تتحدّثين عن عائلة، أسألك، فهل ستكون للموسيقى في هذا الفيلم أيضا هذا الدور الأساسي؟

جوابا على ذلك ترى السينمائية الشابة أنه “إذا ما كانت الموسيقى في ‘سبمارين’ تفيد في استذكار ماض ما، ذلك الماضي المتحوّل والحيوي، فإنّ الموسيقى في ‘كوستا براڤا’ ستعود مُجدّدا، لكن بطريقة مختلفة، فأنا أستخدم في الفيلم الروائي المؤثرات الصوتية على ثلاث مستويات مختلفة، وبالذات الأصوات القادمة من الطبيعة، والتي سأستخلصها وأستخدمها لأنّ الطبيعة، وهي تتألم وتصرخ مُستغيثة ومُحتجّة، هي بطل أساسي في الفيلم.

وإلى جانب أصوات الطبيعة ثمةَ أيضا إحدى شخصيات الفيلم، وكانت موسيقيّة اضطُرّت إلى التوقف عن ذلك الاختصاص، وستعود موسيقاها إلى الواجهة من جديد”. في “سبمارين” كانت الموسيقى انطلاقا من أغنية لنورالهدى، لكنّنا استمعنا إليها عبر آلات وأصوات حديثة، وكانت الموسيقى قد استُخدِمَتْ كجسر ما بين الماضي والحاضر، لاستذكار ماض دفين، لكنّها كانت في ذات الوقت تلمس الجيل الجديد الذي يسعى لتمييز ذاته عن ماض ما بعينه.

في “كوستا براڤا ليبانون”، أستخدم الموسيقى أيضا كأداة استدعاء لماض ما، لكن أيضا كأداة لإمعان التفكير في الحاضر. ففي “سبمارين” مفردة موسيقيّة كبيرة كُتمت في البداية، تبدأ بالبروز بشكل تدريجي من الماضي، وتتطوّر مع تتابع مسار أحداث الفيلم. وكما قلت فإنّ للطبيعة صوتها في الفيلم أيضا، تلك الطبيعة التي صارت ضحيّة من ضحايا الأزمات المتلاحقة، لذا أرغب في استخلاص أصوات من الطبيعة ومن المكان الذي تعيش فيه الشخصيات، سواء داخل المنزل، أو في الفضاء المحيط بها”.

كانت الأم، وهي إحدى الشخصيات الهامّة في الفيلم، في ماضيها موسيقيّة كبيرة، وكانت معروفة لدى جمهور واسع في لبنان، لكنّها قرّرت أن تضع مسارها الموسيقي جانبا، وتحاول خلال مجرى أحداث الفيلم أن تربط الماضي بالحاضر عبر الموسيقى.

لذا فإن الموسيقى، تبني، عمليّا، الجسر ما بين الماضي والحاضر، وما بين الأزمنة المختلفة. “أنا أسعى بالفعل” تضيف مُنية عقل، إلى تأكيد أنّ الماضي والحاضر مرتبطان ومترابطان بشكل وثيق مع بعضهما عبر الموسيقى”.

 وحول حكاية فيلم “كوستا براڤا ليبانون” تقول المخرجة إن أحداثه “تدور قبل عشرة أعوام من الآن، في ظل ظروف كان ولا يزال لبنان يعاني معها من الغرق في الأزمات دون إمكانية العثور على حلّ لها. أبطال الفيلم، وهما زوجان وبناتهما، فقدوا الأمل في البلد، وبعد أن عانى الزوجان كثيرا قرّرا تكوين مدينتهما الفاضلة الصغيرة والقصيّة عن العالم الذي عاشا فيه حتى تلك اللحظة. انتقلا إلى الجبل في الأرض التي ورثاها عن أبويهما وعاشا هناك برفقة بناتهما، بعيدين عن كلّ شيء مدينيّ، مؤطّرين الأرض بسياج واسع يحيط بها.

الخروج من العزلة

لكن ما يقع خلال مسار الأحداث يقلب حياة هذه العائلة رأسا على عقب، إذْ تنهار حالة النفي التلقائي التي اختارها الزوجان لعائلتهما بسبب قيام الحكومة بتنفيذ قرار حل مشكلة القمامة عبر إنشاء مكبّ واسع لخزن النفايات، بالضبط على مرمى حجر من باب المنزل الذي تُقيم فيه العائلة في الجبل، ما يجعل كلّ فرد من أفراد العائلة يتعامل مع هذه الحالة بشكل متباين عن الآخرين، إذّاك تُدرك العائلة بأنّ الأزمة لا تكمن خارج أسوار المنزل فحسب، بل هي أزمة داخل المنزل وداخل العائلة نفسها. فقد جعلهم “الاجتياح” السياسي لحياتهم يُدركون بأن الأكاذيب ليست موجودة في الخارج فحسب، بل في دواخل كلّ منهم.

بهذا الفيلم، تقول المخرجة، أُلقي نظرة على فكرة تفكّك العائلة وتشتّتها، وهي مع تحصيل الحاصل، نظرة إلى ما يمكن أن يُقدِمَ عليه الناس في مراحل الأزمات. لقد كنت معنيّة على الدوام بالحديث عن العائلة. وكم تعكس بُنية العائلة بُنية المجتمع، وهذا أمر في غاية الأهمية بالنسبة لي للنظر إليه والحديث عنه، لذا تراني في غاية الانفعال الإيجابي”.

حكاية الفيلم تقود إلى السؤال الحرج حول ما إذا كانت الحكومة اللبنانية ستجد الحلّ لمشكلة القمامة؟ تبتسم مُنية عقل، وتُطلق ضحكة عذبة وتقول “لا، لا أعتقد، لا، لن تتمكّن من إيجاد حلّ لذلك. وللأسف الشديد صرت الآن قلقة أكثر فأكثر، فنحن نتواجه الآن مع مشكلة وصلت إلى مرحلة اللاعودة، وقد أُنجزت كل الخطوات الممكنة، وبلغت سوداويّتي قمّتها وصرت في غاية القلق على البلد، لأن كارثة بيئيّة بهذا المقدار إذا ما حلّت فإنها ستحتاج إلى سنين طويلة لتبلغ مراحل الحل الأولى، وعلى أيّ حال لن نعود إلى ما كنّا عليه في ما مضى. فقد ضاع وقت طويل للغاية”. فالأزمة كما ترى ليست في مشكلة القمامة بحد ذاتها، ولكن في الأسباب التي أفضت إليها، وأنّ هناك ما هو أعمق بكثير وأثقل من أكوام القمامة. تضيف المخرجة “كان من الضروري أن تتم دراسة وتمحيص هذه الأزمة، لأنّها صارت بمثابة ‘ميثافور’ لكّل ما يدور ويجري في البلد بأسره، فالوضع يقول بأنّ القاذورات بدأت تبزغ من الأرض وأينما جُلت بناظريك فإنّك تجد نفسك أمام حالة مُرعبة حقا. إنها النتيجة الحتمية لما غضضنا الطرف عنه لسنين وأمعنا في التعامي عنه. أعتقد بأنّ هذه الأزمة، بكل ما تمثّله، باتت أكبر بكثير ممّا كانت عليه في البداية، إنها تستطيل أكثر فأكثر لتشمل حتى الحقوق المدنيّة الأساسيّة للمواطن”.

نلاحظ أن حضور الممثل في فيلم “سمبارين” كان جوهريا للغاية، وانتبهنا إلى أن النجمة اللبنانيّة يُمنى مروان كان حضورها في الفيلم مركزيا فقد شوهدت جميع الشخصيات الأخرى والمكان والأحداث، عبر ناظريها. وقد سألنا المخرجة عن طبيعة حضور  الممثلين في جديدها “كوستا براڤا ليبانون“.

عقل: المقاربات التي كنت أُجريها في طفولتي ما بين الحروب داخل منزلنا والحروب خارجه، هي جوهر ما أسعى إلى تحقيقه في هذا الفيلم، أي أن أرى ما خلف ذلك السور القائم ما بين العالم الداخلي للناس والعالم الخارجي
عقل: تعلّمت من الحروب في المنزل والشارع

ولدى مقارنتها بين أدوار الممثلين في كلا الفيلمين، أشارت إلى أن “المدينة كانت الشخصية الأهم في الفيلم، المدينة الغارقة تحت أكوام القمامة. الفيلم الأسبق كان عبارة عن فضاء وشخصية داخل ذلك الفضاء. في حين سيكون الوضع في “كوستا براڤا ليبانون” عبارة عن شخصيات داخل فضاء، بمعنى أن الشخصيات ستحتل مقدّمة الحدث، وستكون العمارة في الخلفية.

وستبدأ العمارة، بشكل تدريجي ومتواتر، بالزحف على الشخصيات لتحتل المقدّمة. وإذا ما كانت عدستي  في “سبمارين” بعيدة عن الشخصية ومتركّزة على الفضاء المحيط بها، لإتاحة الفرصة أمامي لرؤيتها على مسافة ما، فإنّني في “كوستا براڤا ليبانون” أرغب في أن أكون على تماس أقرب مع شخصياتي وأنْ أكون أقربَ إليها. وتستطرد المخرجة، وأيضاً أريد أن أكون قادرة على إبراز التناقض ما بين عمارة أجسادها وعمارة المنزل والمكان وأكوام القمامة، وذلك لغرض الاقتدار على التحوّل إلى تلك المرآة ما بين الشخصيات والعالم، وكيفية تحوّل منزل الشخصيات إلى مايكروكوزم للبلد، وربّما البلد نفسه كمايكروكوزم للعالم، بأسره.

توليد التضاد

أرغب في توليد هذا التضاد والتواجه بينهم والعالم. وأن أكون أقرب وأقرب إلى الشخصيات. البطل الرئيس في هذا الفيلم هو العائلة، لذا فأنا سأكون مع أفرادها على الدوام. إنّه فيلم عسير العمل، لأنّ فيه خمس شخصيّات رئيسيّة وستكون مشكلتي هي كيف أفي كلاّ من هذه الشخصيات حقّها بينما أُركّز اهتمامي على العائلة”.

تختم مُنية عقل حديثها معنا بالقول “أنا معنيّة جدا بالتمعّن في مآلات أحوال البشر في زمن الأزمات، وأعتقد بأن الدرس السينمائي الأكبر في حياتي كان خلال نشأتي، فقد تعلّمت الكثير من الصراعات التي كنت شاهدة عليها في بيتنا، وما كان يدور خارج منزلنا، في البلد بشكل عام. وأعتقد بأنّ المقاربات التي كنت أُجريها في طفولتي ما بين الحروب داخل منزلنا وخارجه، هي بالذات جوهر ما أسعى إلى تحقيقه بهذا الفيلم، أي أن أرى ما خلف ذلك السور القائم ما بين عالمك الداخلي والعالم الخارجي المحيط بك، وكيف ينعكس ما يحدث في أحدهما على مُجريات الأحداث في الآخر”.

14