فيلم "ليال بلا نوم" لإليان الراهب.. أرض رقدت تحتها آلاف الجثث

الخميس 2013/11/14
الفيلم مواجهة بين الأم والمسؤول السابق في مخابرات "القوات اللبنانية" أسعد شفتري

بيروت ـ يدخل اللبناني ماهر قصير الفيلم الوثائقي "ليال بلا نوم" من خلال كليشيهات فوتوغرافية أكلها الاصفرار وصورة يقظة في قدحتي والدته مريم سعيدي، التي تبدو فاقدة لجزء من ماضيها الفردي، كأن إخفاء ابنها محا صلاتها بما يحوطها، فراحت تجرجر مأساتها وحسرتها بترفع يخونه غضب عرضي.

يقوم فيلم المخرجة اللبنانية إليان الراهب الذي يعرض في الصالات اللبنانية حاليا، ومدته 128 دقيقة، على شبه مواجهة بين الأم والمسؤول السابق في مخابرات "القوات اللبنانية" أسعد شفتري، الذي تحمله وزر فقد ابنها المراهق والمقاتل في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني في 17 يونيو1982.


فقد بلا عنوان


فقد ماهر قصير في معركة كلية العلوم في الحدث، وهي إحدى مناطق خطوط التماس بين المنطقة الغربية ذات الغالبية الإسلامية والشرقية ذات الغالبية المسيحية في بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

وخلال الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما، هام أهالي المخطوفين والمختفين قسرا، والبالغ عددهم 17 ألفا، سنوات طويلة بحثا عن أثر لأبنائهم، بعدما غسل المسؤولون عن الحرب الأهلية أيديهم من حصادها المرير.

وكان ماهر ضمن هؤلاء، غير أنه لا أحد يذكر التاريخ؛ لا المقاتلون من الخصوم والرفاق ولا المسؤولون الرسميون ولا الجريدة الحزبية. سقط ابن الخامسة عشرة "سهوا" من قائمة "الحوادث الكبرى" التي تستحق التأريخ وغيرها مجرد هوامش. تسعى المخرجة الراهب إلى كسر ميثاق صمت غير معلن يكمم الأفواه منذ انقضاء الحرب الأهلية في 1990. وتختار لهذا الغرض مرافقة شفتري المنغمس بتمارين الاعترافات العلنية، بما اقترفه في الحرب والتي تتبدى في الفيلم الوثائقي عرجاء وناقصة. وعندما تسأل الراهب "كم شخص تورطت في اختفائهم؟" يرد "لا أعرف". ويتحفظ شفتري على الإدلاء بما يعرفه في شأن ماهر قصير حماية لآخرين، ويحاول مرارا استدراج الوثائقي إلى ساحته هو.

فعندما يجوب منطقة الكرنتينا، حيث المقر الحزبي السابق، وحيث طمرت أرواح كثيرة يرفض القبول بتعبير "مقبرة جماعية" ويفضل عليها تعبير "مكان تكديس الجثث"؛ تأكيد إضافي على أن حرب المفاهيم التي اكتنفت الحرب الأهلية لم تخمد أوزارها.

إليان الراهب.. تضغط على الأنفاس


موت بارد


ما تعجز الراهب عن إخراجه بلسان شفتري من تفاصيل وحيثيات تذهب إليه مواربة على نحو استعاري من طريق لقاء المحيطين به. نرافق شفتري خلال رحلة صيد في وسط رفاق السلاح القدامى وأبنائهم، حيث يجري اصطياد أرنب ثم تقطيع أطرافه ورأسه كأنه خرقة. يسأل أحد المراهقين عن إحساسه عندما قنص الحيوان فيجيب بالفرنسية "تشعر أنك فخور عندما تقتل الأرنب".

في الفيلم شفتري متعدد. شفتري مؤنسن بداية يشكو من أن تجربة الفيلم بالنسبة إلى المخرجة مجرد مشروع بينما ستتركه بلا نوم. وشفتري الباحث عن التكفير لاحقا خلال لقائه "العدو" السابق المتعاطف مع الفلسطينيين المطران غريغوار حداد ممددا على فراش المرض. لكن اللحظة لا تستمر وتفسح المكان لأسعد شفتري آخر معتد بنفسه يسطو على الجزء الأكبر من الوثائقي. يروي أنه قتل أحدهم بسكين بعدما طلب منه ذلك، ويستغرب أنه لم يشعر آنذاك بشيء. لا يذكر الملامح أو الاسم، يذكر أنه باغته من الخلف فحسب.

في أحد مشاهد الوثائقي (سيناريو وإنتاج نزار حسن) تصافح عين الرائي صور مفقودي الحرب اللبنانية، الذين خصصت لهم جمعية "أمم للتوثيق والأبحاث" معرضا في شاحنة صغيرة بلا سقف تنقلهم على أنغام "يا مسافر وحدك". تلمس وجوه المفقودين الهواء تواقة إلى الخروج، إلى الضوء، إلى العودة، إلى الذاكرة من نسيان قسري. تشدد المخرجة على مقاربة فيلمها فنيا، وهذا حق لكن المحاولة عسيرة عندما يتعلق الموضوع بوجع بهذا القدر.

تستدرج الحرب المشاهد إلى حيث لا يرغب، فيطغى هول ما حدث فعليا على أهمية السؤال: "كيف حدث؟". ينتهي الوثائقي في أسفل درج كلية العلوم عند مساحة من الأرض قطرها 30 مترا مكان مقبرة جماعية، حيث روى مقاتل من حزب القوات اللبنانية المسيحي نسمعه ولا نراه أن ماهر وآخرين دفنوا. لكن الاكتشاف يخلف حسرة لأنه يبدو في السياق اللبناني مجانيا. لا يشبه الخروج من "ليال بلا نوم" المجيء إليه. تضغط الحكاية على الأنفاس مثقلة بما صنع منها جثثا ودمارا حارا وفظائع اقترفت بدم بارد.
16