فيلم "ليلة سعيدة" صحفية شجاعة تجمع أحزان العالم في صورة

الثلاثاء 2014/10/28
الفيلم يحكي قصة امرأة انصرفت عن عائلتها إلى علاقة مع أوجاع العالم

بروكسل - هما عالمان، نحن وهم، أو هؤلاء وأولئك، إنهم الذين ينسجون بأعمارهم وأشجانهم وعذاباتهم وحتى موتهم نشرات الأخبار، التي يجلس الآخر مسترخيا وهو يشاهدها.

هذا ما يمكن أن يكون مدخلا لقراءة فيلم “ليلة سعيدة ألف مرة” للمخرج إيريك بوب وهو إنتاج مشترك أيرلندي نرويجي، ومن بطولة الممثلة الفرنسية جوليت بينوش في أحد أرقى وأرفع أدوارها، وهو الفيلم الذي حاز جائزة مهرجان مونتريال السينمائي الأخير.

المصورة الصحفية (ريبيكا ـ بينوش) هي المعنية بما سقناه آنفا، إنها تدرك جيدا وجود ذلك العالم البعيد عنا بمسافاته والقريب منا بشقائه وعذاباته، حيث العنف والحرب والحزن، إنه يقع حيثما تقع الصراعات والمآسي البشرية الجماعية، في مقابل ذلك العالم المسترخي المرمي على حافة البحر الممثل في منزلها شبه الريفي، الرومانسي الفسيح، الزوج الحنون العاشق للدفء الأسري ولابنتيهما، وهي قد تطوعت لجسر تلك المسافة بين العالمين ولتنتج صورا تختصر أحزان العالم.

ها هي تلفّ رأسها بغطاء داكن، وهي في كابول الآن تحمل كاميراتها وتشهد طقسا غرائبيا فريدا، امرأة أفغانية شابة ملقاة في حفرة، ونسوة من حولها يرددن آيات قرآنية بانتظار أن يزاح التراب حولها.

لكنها ستنهض من موتها المفروض عليها، فإما الموت وإما إن تلف بحزام ناسف يعدّه لها الطالبان أو أشباههم الذين يشهدون الفعالية الشيطانية عن بعد، لننتقل مع المرأة التي قبلت بالمهمة إلى مشهد تغسيلها وتلاوة السور القرآنية عليها، ثم لفها بالأحزمة الناسفة وتوديعها من قبل أهلها، ومن ثم نقلها إلى مكان التفجير، والمصورة الصحفية تصرّ على مرافقتها في تلك اللحظات الرهيبة التي تحبس الأنفاس.

عندما تسألها ابنتها لماذا تفعلين ذلك، تجيبها بأن الناس هناك يتألمون ويحزنون ويموتون وبالضبط هي رائحة الموت التي يسأمها زوجها

المشاهد الأولى هذه أشبه بسيمفونية صورية متقنة من حيث الصورة والموسيقى والمونتاج، وستختصر كثيرا من تلك الأوجاع الإنسانية، الانفجار يقع والمصورة تساهم قبل لحظات من وقوعه في تحذير الناس من الكارثة، ولكنها ستسقط من جراء الفاجعة جريحة وكاميراتها مرمية بعيدا، وهاهي الآن في أحد مستشفيات دبي، ثم في بيتها.

عندما تسألها ابنتها لماذا تفعلين ذلك، تجيبها بأن الناس هناك يتألمون ويحزنون، ويموتون، وبالضبط هي رائحة الموت التي يسأمها الزوج ماركوس (الممثل نيكولاي والادو)، التي تفوح من ثياب زوجته القادمة من الحروب، وقد فاضت كأسه وضاقت نفسه بسبب إهمالها له ولابنتيهما، نظرا لسفرها المستمر للأماكن الساخنة في العالم.

تسير الدراما الفيلمية وئيدة لتفصح عن غربة إنسانية قاتلة، المكان تمّ اختياره بعناية، هنالك شبه حافة جبلية تطل على البحر، الأجواء قاتمة والشتاء مقيم، والغيم لا يفارق السماء، ولا دفء في المكان حتى في أشدّ لحظات الرغبة، بتجاوز مأزق وجودها السلبي في نظر زوجها، وهي تلهو معه على الشاطئ والريح تعصف، فإن ذلك لا يلبي ما يجيش في خاطرها فتشعر به ثقيلا، خانقا.

مكان واجم يذكر بالشاطئ الكئيب في فيلم “ابنة رايان” للمخرج ديفيد لين، وإن كانت ابنة رايان قد انصرفت عن زوجها إلى علاقة مع الضابط، فإن ربيكا انصرفت عن عائلتها إلى علاقة مع أوجاع العالم.

ولهذا تلوح لها صور ضحايا الموت المجاني في كابول وتترسخ صرختها الداخلية، بعدما ترفض المؤسسة الصحفية التي تعمل فيها نشر الصور تحت ضغط من الإدارة الأميركية بدعوى أن تلك الصور تمجد العنف والانتحاريين. كنا في المكان الآسيوي الكئيب -أفغانستان- فإذا بنا في قرينه الأفريقي، في قرية كينية تهجم عليها ميليشيا مسلحة، فيما ربيكا تصوّر المأساة والفجيعة وسط صراخ ابنتها التي رافقتها في رحلتها إلى ذلك المخيم على أساس أنه آمن.

ربيكا وإذ ترمم ذلك النسيج المتهالك من العلاقة الزوجية بقرارها اعتزال التصوير الصحفي، رغم أنها من أشهر المصورين الصحفيين في العالم، فإن حادثة القرية الكينية تجهز على كل شيء.

تجد نفسها مطرودة من بيت الزوجية لتعيش صراعا حادا مع نفسها يفضي إلى قناعة أنها نذرت نفسها لهذا العمل وهذا هو قدرها، ولهذا تعود مرة أخرى من حيث أتت، فإذا بها في مواجهة الطقوس المخيفة للمرأة الانتحارية، وتجد نفسها هذه المرة أمام صبيّة صغيرة تمّ اختيارها للقيام بالمهمة، ولكن ربيكا ستتهاوى قواها هذه المرة عند مرافقة الفتاة، وهي تنتحر وتمزق أجساد مواطنيها.

16