فيلم "مقيد" وفظاظة شخصية الإسرائيلي ذي الخلفية العسكرية

"زوجة رجل مهم" في فيلم إسرائيلي للمخرج يارون شاني الذي يروي قصة ضابط الشرطة الذي فقد عمله ففقد عقله.
الجمعة 2019/02/22
الضابط راشي قبل طرده من العمل

من الأفلام الإسرائيلية الخمسة التي عرضت في الدورة الـ69 لمهرجان برلين السينمائي لفت نظري فيلم “مقيد” (Chained) للمخرج يارون شاني الذي نتذكره من فيلمه الأول الطويل “عجمي” (Ajami) الذي اشترك في إخراجه عام 2009 مع المخرج الفلسطيني (من الداخل) إسكندر قبطي، وكان يصوّر المشاكل التي تحول دون تحقيق التعايش بين اليهود والعرب، المسلمين والمسيحيين، في حي عجمي بمدينة يافا، وقد نال الفيلم جائزة “الكاميرا الذهبية” في مهرجان كان السينمائي.

فيلم “مقيد” حسب ما يقول مخرجه، هو الجزء الثاني من “ثلاثية الحب” كما أطلق عليها يارون شاني، والتي بدأها بفيلم “متعري” (Stripped) الذي عرض في دورة مهرجان فينيسيا الأخيرة (سبتمبر 2018) ويعمل حاليا على الجزء الثالث بعنوان “ولد مجددا” (Reborn).

وهو يرى أيضا أنه يمكن مشاهدة الأفلام الثلاثة بشكل منفصل، أما “مقيد” فقد بدا لي أنه متأثر إلى درجة الاقتباس من فيلم المخرج المصري محمد خان الشهير “زوجة رجل مهم” (1987) الذي كتب له السيناريو الكاتب الصحافي رؤوف توفيق.

وشأنه شأن “زوجة رجل مهم”، فإن محور فيلم “مقيد” وشخصيته الرئيسية هي لضابط شرطة، يرتكب ما يؤدي إلى عزله أو وقفه عن العمل ويفقد بالتالي سلطته وشعوره “الذكوري” بالأهمية والخطورة والهيمنة، وتتدهور علاقته بزوجته، التي يحبها حبا شديدا، لكنه حب التملك والامتلاك والغيرة المرضية، لتنتهي حياته نهاية تراجيدية.

العلاقة بين الفيلمين

هذا هو العمود الفقري للفيلم مع تفاصيل تختلف بالطبع عن التفاصيل المحيطة بشخصية الضابط التي أداها باقتدار أحمد زكي في الفيلم المصري، فعلى حين ارتبط مصير الضابط في “زوجة رجل مهم” بأحداث كبيرة في حياة المصريين تمثلت في الانتفاضة الشعبية في يناير 1977 وما أعقبها من تحقيقات وبعض التصفية التي شملت إحالة عدد من ضباط الأمن على التقاعد، يتابع “مقيد” الذي يوحي من عنوانه بالقيد الذي يربط الشخصية الرئيسية، أي الضابط بالحالة النفسية التي تخلقها وظيفته كممثل للسلطة في الشارع، كيف ينعكس الخروج ولو مؤقتا، من الوظيفة الرسمية، بشدة على مسار حياة الضابط “راشي” الذي لا يمكنه أن يتخيّل متعة في الحياة من دونها.

انتزاع السلطة من رجل اعتاد على التمتع بها، يفقده توازنه في الحياة ولا بد أن ينتهي به إلى فقدان عقله ثم إلى الجريمة

إنه يشبه بطل فيلم محمد خان في كونه غليظا، قاسيا، فظا، يغالي في أداء وظيفته ويعتبر أنه يؤدي عمله بكفاءة منذ 16 عاما، دون أن يناله نقد أو تأنيب من جانب رؤسائه، ولكن فجأة تنقلب حياته رأسا على عقب تماما كما يحدث لضابط أمن الدولة في “زوجة رجل مهم”.

راشي يرتبط بعلاقة عمل جيدة مع رئيسه، وهو يقوم بأعمال الدورية باستخدام سيارة الشرطة يجوب بها شوارع تل أبيب مع زميل له، وذات مرة يُستدعى للتوجه إلى حيث يكتشف وجود رجل شاذ يتضح أنه ضابط كبير متقاعد، معه طفلان داخل شقته وقد اعتدى على أحدهما، ثم يستدعى في مرة أخرى إلى حيث يجد رجلا وقد قتل زوجته وولديه وانتحر بإلقاء نفسه من شقته في أعلى البناية التي يقطنها، بسبب خلافات مع زوجته التي ترغب في الحصول على الطلاق، ويجب أن نلاحظ أن مسألة الخلاف مع الزوجة وموضوع الطلاق سيحاصران راشي في ما بعد أيضا.

بداية المأزق

أما الموقف الذي سيغير حياته ويقلبها تماما رأسا على عقب، فيأتي عندما يقوم بتوقيف مجموعة من الشباب في حديقة عامة يشتبه في حيازتهم المخدرات، وعندما يحاول تفتيشهم، يعترض أحدهم بدعوى أن راشي لا يملك هذا الحق قانونيا، فيقتاده راشي مع زملائه إلى قسم الشرطة حيث يقوم بإهانتهم وإرغامهم على نزع ملابسهم كاملة وتفتيش أجسادهم بطريقة مهينة غير عابئ بتهديد أحدهم له بأنه سيدفع الثمن غاليا.

تمر بضعة أيام، ويتلقى راشي مكالمة من رئيسه في العمل الذي يطلب منه أن يطالع صحف الصباح ليجدها قد نشرت أن ضابط شرطة تحرش جنسيا بعدد من المراهقين (تحت السن القانوني).

الابنة ياسمين تشكو لأمها فظاظة راشي
الابنة ياسمين تشكو لأمها فظاظة راشي

من هنا يجد راشي نفسه خاضعا لتحقيق طويل ومهين من جانب لجنة خاصة داخل جهاز الشرطة، ينتهي بوقفه عن العمل لحين انتهاء التحقيقات وعندما يخضعونه لجهاز كشف الكذب يفشل في المرور منه.

يتضح أن والد أحد الصبية الذين أهانهم، أحد كبار ضباط المخابرات، وهو يرغب الآن في معاقبة راشي وتلقينه درسا قاسيا، ويظل الموقف على ما هو حتى بعد أن تتم تبرئة راشي من قبل اللجنة التي توصي كما نعلم، بعودته للعمل، لكنّ مسؤولا ما في سلطة عليا يصر على بقاء وقفه عن العمل، بل إنه يتلقى بين حين وآخر مكالمات هاتفية تنذره وتهدده بسوء المصير وبأنه كان يجب طرده من الخدمة من البداية.

ورغم إصرار راشي على أنه لم يتحسّس أجساد الشباب كما يدعون، يدرك أنه لن يعود إلى عمله مجددا، وتتوتر علاقته بزوجته “أفيغالي” بسبب هيمنته الذكورية وقمعه لابنتها المراهقة “ياسمين” من زوج سابق، فهو يعترض على رغبتها في أن تصبح عارضة أزياء ويسخر منها ويحرّض زوجته ضدها ويفسد عليها رغبتها في التصوير بملابس معيّنة تمهيدا لدخول مسابقة لاختيار العارضات، وبعد أن يفقد وظيفته يكلف زميلا له بمراقبة مكالماتها، ثم يضبطها مع مجموعة من أصدقائها يحتسون البيرة في إحدى الحدائق العامة في الليل فيجذبها عنوة ويعود بها بفظاظة، وهو ما يؤدي إلى شرخ ثم أزمة ثقة مع زوجته التي تبتعد عنه تدريجيا.

نهاية متشابهة

راشي لا يستطيع التخلي عن سلوكياته الفظة التي يفرضها على أفيغالي وعلى ياسمين، ترغمه زوجته التي كانت قد فقدت جنينا مؤخرا، ثم حملت منه مرة أخرى، على ترك المسكن والذهاب للإقامة مع أمه، وهو وضع لا يتحمله كثيرا، ثم تحول بينه وبين دخول المسكن وتطلب الطلاق ويعرف أيضا أنها قامت سرا، بالتخلص من الجنين لينتهي بقتل زوجته والانتحار وهي نهاية مشابهة لنهاية فيلم محمد خان، فانتزاع السلطة من رجل اعتاد على التمتع بها، يفقده توازنه في الحياة ولا بد أن ينتهي به إلى فقدان عقله ثم إلى الجريمة.

لا شيء مسموحا
لا شيء مسموحا

ونحن نشاهد طوال الوقت راشي وباقي شخصيات الفيلم الرئيسية، في لقطات قريبة، من خلال كاميرا تجوس داخل الأماكن الضيقة في شقته وداخل مكاتب الشرطة أو داخل السيارة، ترصد الانفعالات، تسجل لحظات الاضطراب والقلق وتصاعد حدة الشعور بالبارانويا.

ويستخدم المخرج عددا من الممثلين غير المحترفين، يقومون بأداء أدوار تشبه أدوارهم الحقيقية في الحياة، على رأسهم عيران نعيم في دور راشي.. وكان نعيم من قبل ضابطا في الشرطة قبل أن يتركها ليصبح ممثلا، وهو يقوم بمحاكاة الكثير مما خبره ومر به خلال عمله السابق، إلاّ أن الفيلم يعاني من غلبة الحوار، الذي لا يكاد يتوقف لحظة واحدة، ومن تفرع الحبكة وابتعادها عن الخيط الرئيسي للموضوع، مع الكثير من الاستطرادات في تصوير علاقة راشي المتوترة مع ياسمين.

يوجه الفيلم نقدا مستترا للمؤسسة الأمنية، ويشير إلى ما فيها من فساد وتستّر واستغلال نفوذ، كما يربط بين فظاظة الضابط في العمل وانعكاس شعوره بـ”سلطويته” أو بالأحرى “ذكوريته” على علاقته المعقدة بزوجته الرقيقة الناعمة، بحيث تبدو علاقة تصطبغ بالرغبة في الهيمنة والتملك، أكثر منها علاقة “حب”.

وبالتالي يصبح هذا النوع من الحب المرضي تنويعة أخرى على الحالة النفسية للرجل الإسرائيلي القادم من خلفية عسكرية وشبه عسكرية، الذي يعجز عن إبداء مشاعره ببساطة، ويعتبر السيطرة أهم من المشاعر، كما يصبح الهاجس الأول في علاقته بزوجته هو الإنجاب، وفظاظة الشخصية ذات الخلفية العسكرية واضحة في معظم الأفلام الإسرائيلية التي شاهدتها مؤخرا في المهرجان، ولكن هذا موضوع آخر يستحق مقالا آخر.

16