فيلم "مكتبة باسكال" لعب على سريالية الدراما وغرائبية الصورة

الاثنين 2014/11/24
الفيلم قدم شخصيات وأحلاما سريالية تعزف على واقع مأساوي

بروكسل- زمان ومكان منسيان، زمان مختلف وغائر في تجليات اللاوعي والسريالية الدرامية، فتيات شابات يجري ابتزازهن، إخراجهن صاغرات، عنوة من حياتهن الوديعة البسيطة إلى حياة أخرى تتحطم فيها الذات، وتتحوّل إلى أمل منسي في ظل سطوة المافيات، ترى أين الإنسان في الدوامة؟ ما قيمة تلكم الفتيات اليافعات المحطمات؟

في أوروبا الشرقية ثمة حياة لا تزال تنبض من تحت بقايا وأصداء وظلال وجراحات الحقبة الشيوعية: انفتاح الحدود، الحرية الشخصية، التنقل الحرّ في أرجاء القارة، مقابل حياة مادية لا تعرف لغة الإنسان ولا لغة الفقر والتشرد.

يقدّم فيلم “مكتبة باسكال” المرأة المستلبة التي تجد نفسها بلا حول ولا قوة، وهي تستدرج تباعا بين عصابات تنشد الوصول إلى غاياتها بلا رحمة ومهما اقتضى ذلك من ثمن، هو واقع مزر قوامه التفكك الأسري ومن علاماته الهوان والإذلال اللذان تتعرض له الفئات الأضعف: الأطفال والنساء.

إنهم يتعرضون للانتهاك المستمر ويجري استغلالهم وإهدار كرامتهم، كل ذلك يأتي في إطار معالجة مختلفة ملفتة للنظر، وتنطوي على تعدّد بنى السرد وتحوّلات الشخصية، وما تمرّ به من تجارب.

إلى هنا نحن أمام سردية وحكائية واقعية ممكن أن تكون، أو تظهر في أي خطاب يواكب هذه الظواهر، لكننا ما أن ندخل عالم باسكال حتى نكون في مواجهة عالم آخر غريب؛ غرف مقفلة لا يستطيع الولوج إليها، إلاّ حراس غلاظ من خلال بطاقات ممغنطة وأرقام سرية، فتيات يرتدين زيا عسكريا يحفظن عن ظهر قلب حوارا دراميا، حيث سيسألها الضيف وما عليها إلاّ أن تجيب.

كما أن من شروط العمل مع باسكال تلك الغرائبية والسريالية، ثم نتحول إلى غرفة بيضاء ترتدي فيها الفتاة بدلة مطاطية سوداء تغطيها بالكامل، وكأنها بدلة الغواصين وهي غرفة ديدمونة، تردّد مع شريكها مقاطع من حوارات عطيل وديدمونة، حيث يتمّ تلقين الفتيات تلك الحوارات عن طريق جهاز بث صوتي يكرر ويكرر الحوارات من ذلك النص المسرحي.

وثمة غرف أخرى تحمل رموزا وأسماء دينية، ويتمّ فيها تلقين الفتيات حوارات دينية وحوارات من رواية لوليتا، في مشهد سريالي يعود الشخص الذي كانت إحدى الفتيات قد سافرت معه إلى ألمانيا إلى الظهور، بعدما ظننا أنه قد لفظ أنفاسه، إلاّ أنه يعود قائدا لفرقة موسيقية، ويتمكن من فتح الأبواب المغلقة لمكتبة باسكال، فتخرج هي مرتدية تلك البدلة السوداء.

واقع مزر قوامه التفكك الأسري ومن علاماته الهوان والإذلال اللذان تتعرض له الفئات الأضعف: الأطفال والنساء

ولينتهي بها المطاف مع أحد المحققين وهو يحقق معها في المخالفات القانونية المترتبة على استخدام ابنتها الطفلة في عروض مسرحية للكبار، مما يعدّ انتهاكا لحقوق الطفل، ويطلب منها أن تروي له قصتها، وأين هو والد الطفلة وما ظروف حياتها بالتفصيل.

فتروي له كم مرّة تعرضت فيها للخداع وتم استغلالها، وأنها تقدّم تلك العروض صحبة ابنتها من أجل لقمة العيش، وهي مضطرة إلى كل ما فعلته لإنقاذ نفسها وابنتها من الجوع والتشرد.

يتنقل الفيلم في حله الإخراجي ما بين بنى سردية وتحوّلات متعددة، هنالك حياة تختلق في كل مرة، حياة أخرى موازية للحياة السابقة التي خبرناها، والسرد السينمائي يقيم تلك العلاقة الوشيجة ما بين أزمنة متعددة شتى.

هو مسار غير معقد ذلك الذي بني فيه السرد السينمائي للفيلم، ولكنه محمل بتفصيلات في الزمان والمكان منحت الفيلم ميزة مهمة، ألا وهي الإحاطة بمسارات متعددة للبناء الدرامي بصرف النظر عن المدى الواقعي أو غير الواقعي الذي تحركت فيه الأحداث.

ينجح المخرج المجري زابولكس هاجدو في تقديم هذا المزيج الملفت من التحوّلات والأفكار، وهذا المزيج من الأجواء وصولا إلى السريالية والفنتازيا التي تعزف على وتر ظاهرة اجتماعية وإنسانية، ألا وهو إجبار الفتيات على البغاء والانحرافات الاجتماعية.

باسكال نفسه ذلك الوجه الذي لا هو بالأوروبي ولا بالهندي ولا بالقوقازي، هو أيضا علامة غرائبية وشخصية سريالية، إذ يبتكر لنفسه ذلك النادي الليلي الذي يريد به أن ينزل بالثقافة والمثقفين والقمم الفكرية العالمية إلى ذلك الدرك من الانحطاط القيمي؛ ابتزاز الفتيات وشراؤهن وبيعهن وإذلالهن.

وحيث كانت منى عينة للأساليب النفسية التي اتبعها؛ العنف، تغيير الشكل، وكل ذلك لكي تتحول الشخصية القادمة من تلك القرية الرومانية المنسية إلى إنسان آخر، بذاكرة جديدة وحياة عائمة ومعلقة ولا جذور لها، إنها سريالية وغرائبية تعزف على واقع مرير مليء بالإحباط، سريالية قدّمت خطابا سينمائيا متقدّما في الشكل والمعالجة وطريقة عرض الشخصيات ومرافقة أفعالها.

16