فيلم من قلب داعش

الاثنين 2014/08/25

من شاهد ذلك الشريط الوثائقي الأجنبي الذي تم تصويره من داخل دولة داعش، سيدرك إلى أي مدى من الخراب الحضاري والقيمي والأخلاقي وصلنا، وأي مستوى من مستويات التلاعب بالدين بلغنا، وكيف يسيطر الجهل، وتجتمع التناقضات تحت خيمة الإدعاء بنصرة الإسلام وتطبيق شرع الله.

وقد يبدو غريبا لأي ملاحظ أن كل من يتحدثون، والذين من المفترض أنهم حافظون لكتاب الله ومتعمقون في لغته، لا يجيدون نطق جملة واحدة دون ضربها في مقتل النحو أو الصرف، وقد يبدو عجيبا أن من أعلنوا دار الخلافة في الموصل والرقة هم في غالبيتهم الساحقة ممن جاؤوا من دول أخرى، فبعضهم من المغرب العربي وبعضهم من جزيرة العرب والخليج، وبعضهم مستورد من ديار المهجر الأوروبي، في حين يكتفي السكان المحليون بتمثيل دور الرعية للأمراء الوافدين ويبدو مخزيا، أن من جاء من تونس أو ليبيا أو الجزائر أو الكويت أو غيرها، يتحدثون أمام الكاميرا بأنهم جمعوا المسيحيين الذين تضرب جذورهم في تربة المكان ليعرضوا عليهم الإسلام أو دفع الجزية أو القتال، فوجدوهم يقبلون بدفع الجزية، ثم نرى في مشاهد مرعبة كيف يتم تفجير كنائس النصارى ومساجد الشيعة بشكل يؤكد أننا أمام إسلام جديد لا علاقة له بالإنسانية ولا بالقيم الروحية ولا باحترام المختلف ولا بأخلاق الرسول والخلفاء والصحابة.

في مشهد آخر، نرى رجال الحسبة في سياراتهم الباذخة، وهم ينفذون دورياتهم في الشوارع في الرقّة، يستوقفون رجلا، ويطلبون منه إصلاح نقاب زوجته التي كانت ترافقه، ففي دولة الخلافة تعامل المرأة كسندويتش مغلّف لا يكشف عنه صاحبه إلا لحظة الالتهام في البيت، ودولة الخلافة لا تعترف أصلا بالنساء إلا كماكينات إنتاج للجيل القادم، ذلك الجيل الذي تبدو نماذج منه تسبح في نهر الفرات: أطفال صغار يتم إعدادهم لمرحلة الفتح العظيم. في ساحة عامة في الرقة، ينتظم حفل إعلان الخلافة ومبايعة الخليفة القرشي الحسيني أبي بكر البغدادي، يظهر كهل تونسي ذو لحية كثّة، حرفته تكسير عنق اللغة والعبث بمفرداتها، يمسك بالمصدح ويقول: تركت الأولاد والسعادة والمرأة الجميلة وجئت إلى الدولة الإسلامية.

فيرد الحضور: تكبير، في صورة مقابلة: مسلحون يمسكون بجنود نظاميين في صناديق الشاحنات وببساطة يعلمونهم بأنهم يتجهون لقطف رؤوسهم بالسكاكين، سيارات فخمة، كاميراوات حديثة، أجهزة موبايل من أعلى طراز، صواريخ متطورة، دبابات ومدرعات، بنادق رشاشة وقناصات حديثة الصنع، وأمراء حرب، وأمراء إداريون لفت انتباهي بينهم أمير مصالح أهل الذمّة، لحى طويلة، ووجوه مستبشرة بقوتها في محيط عبوس لما أصابه من نكبة، ووعود بفتح واشنطن ورفع راية الخلافة على البيت الأبيض.

وقد كان لافتا أن لا أحد ذكر إسرائيل ولا انتبه إلى دمار غزة، ربما لأن من يقفون وراء المشروع قالوا للقائمين عليه: فقط لا تذكروا إسرائيل بسوء، ثم افعلوا ما تريدون.

24