فيلم "هيبتا" يعيد للسينما الرومانسية ألقها

رواية "هيبتا" التي صدرت قبل عامين وتصدرت أعلى المبيعات في مصر، عادت إلى خطف الأضواء من جديد عبر نافذة السينما، حيث تصدر الفيلم الذي يحمل نفس العنوان قائمة أعلى الإيرادات في دور العرض بمصر، رغم تزامن طرحه مع عدة أفلام مصرية، وبعض الأفلام الأميركية.
الجمعة 2016/05/27
ماجد الكدواني محاضر يحكي ذاته

يسعى فيلم “هيبتا” لمخرجه هادي الباجوري مثل الرواية التي ألّفها محمد صادق، إلى تنشيط مخيلة مشاهديه للبحث عن إجابات لأسئلة تجوب في أذهانهم بشكل مستمر دون أن يتوقفوا أمامها، عن الحب وفلسفته ومراحله التي لا يعرف الكثيرون شيئا عنها، وارتباطه برقم “7” أو “هيبتا”، كما ورد في اللغة الإغريقية.

ربما أبرز ما يمكن الخروج به من الفيلم أنه كشف تعطش جمهور الفن السابع لجرعات الحب والرومانسية التي تقلصت بنسبة كبيرة من السينما في السنوات الماضية.

كل شيء في “هيبتا” يستدعي أو يفرض التأمل بداية من عنوانه “هيبتا.. المحاضرة الأخيرة”، كما يثير الأفكار التي تتكشف مع رحلة الدكتور شكري، الذي يلقي محاضرة يتحدث فيها عن المراحل السبع للحب “البداية، الجنون، الحلم، الوعد، الحقيقة، المقاومة وصولا إلى الهيبتا”، الربط بين مراحل الحب ورقم 7 يحمل منظورا فلسفيا لدى المؤلف، فكما يأتي على لسان المحاضر أن السنوات سبع، وألوان الطيف 7، فإن للحب أيضا قانونه الخاص المحكم بسبع خطوات.

يستتبع ذلك بجملة “المحاضرة الأخيرة”، وكأن المحاضر الذي نكتشف في النهاية أنه صاحب القصص والشخصيات بالفيلم، يريد أن يمنحنا خلاصة تجربته في الحب قبل أن يختم حياته، حيث تبدو عليه ملامح المرض.

أربع شخصيات

يرصد الفيلم حكايات أربعة أشخاص، أولهم شادي الذي يجسد دوره الطفل عبدالله عزمي، يعيش أزمة نفسية بعد انتحار والدته وزواج أبيه، وتفشل محاولات جارته لإخراجه من حالته السيئة، لتنتهي نواة الحب التي زرعت في قلبها الصغير بعد هجره اللعب والحديث معها.

وصف اللحظات شديدة الخصوصية في أي علاقة عاطفية، لم يتواز مع الدقة التي جاءت في الرواية الأصلية

الثاني هو كريم الذي يلعب دوره (الفنان المشاكس سياسيا) أحمد مالك، وهو طالب بالثانوية العامة فقد أبويه ويمكث بالمستشفى في انتظار إجراء عملية لاستئصال ورم بالعمود الفقري، تجمعه قصة حب بزميلته، لكن احتياجه لوجود حبيبته خلال فترة وجعه ورفض والدتها ينهي علاقتهما سريعا.

الثالث هو رامي أو أحمد داوود الشاب الذي يعجب بصديقة أحد أصدقائه، ويعيش معها قصة حب فريدة تجعله يغير تفاصيل هامة في حياته، لكن يبقى الانفصال مصيرهما.

الأخير هو يوسف الذي يؤدي دوره عمرو يوسف، ويبدو على ملامحه التخبط والاكتئاب اللذان يسيطران على تفاصيل هيئته، إلى أن يلتقي بحبيبته في لحظة كان يحاول فيها الانتحار.

بين هذه المراحل والشخصيات، يقدم لنا المحاضر الذي لعب دوره الفنان ماجد الكدواني تفاصيل أكثر دقة وعمقا بين علاقات الشخوص، يسرد فيها أيضا المراحل المؤدية لهدم أي علاقة منها “الامتلاك، عدم التقدير، الاحتياج، الغيرة أو الشك، التطبيع والملل”.

وصف اللحظات شديدة الخصوصية في أي علاقة عاطفية لم يتواز مع الدقة التي جاءت في الرواية الأصلية، رغم محاولات السيناريست وائل حمدي للحفاظ على البناء الدرامي للرواية، لكنه لم يطعم الحكايات بعبارات وحوارات رومانسية تبقى عالقة في ذهن المشاهد.

مخرج الفيلم هادي الباجوري استعان بعدد كبير من الفنانين باعتباره يقدم عملا ملحميا لم يكن موفقا فيه، فهناك ضيوف شرف من النجوم دون داع مثل والدي الطفل شادي كندة علوش وهاني عادل.

حتى زوجة المحاضر التي جسدتها نيللي كريم، وكانت تجلس صامتة طوال مدة المحاضرة بين الحضور، كان حضورها باهتا بعكس ما اعتادت الفنانة أن تقدمه من أدوار أبهرت بها جمهورها من قبل.

الخلاصة أنه كان من الممكن الاعتماد على الوجوه الجديدة أو أصحاب الأدوار الثانية، لأن المعنى الحقيقي لضيف الشرف أن يظهر في مشهد أو اثنين، لكنه يترك أثرا مع المشاهد.

فيلم "هيبتا" يعيد الرواية الأدبية إلى صدارة المشهد الفني من جديد، إلى درجة شجعت دار النشر على طبع نسخة جديدة

ربما هذا المعنى جسدته شيرين رضا التي قدمت دور الزوجة الأولى للمحاضر وتجلس بالمقعد الخلفي لنيللي كريم، تستمع للمحاضر يروي تاريخ حياته كلها مجسدة في شخصيات مختلفة. وبدت رضا أكثر تفاعلا مع الدور الذي لم تنطق فيه سوى بأربع كلمات، لكن نظرات عينيها كانت تعبر وتحكي الكثير في صمت.

نجاح مضاعف

هادي الباجوري يؤكد من خلال الفيلم قدراته كمخرج متخصص في تقديم قصص الحب شديدة التعقيد التي تدور حول شخص واحد يشتبك في علاقات تمر بمراحل مرتبكة، وصولا إلى الحلم بالسعادة مع شخص غير موجود بالدائرة المحيطة، إذ نكتشف أن معه الخلاص.

تقديم مثل هذه النوعية من الأعمال يتطلب حرفية عالية حتى يظل العمل محتفظا بتوازنه في تناول الأحداث وتقديمها بشكل جذاب دون أن يشعر المشاهد بالملل.

ورغم أن الباجوري كان موفقا في هذا الأمر في فيلمه السابق “واحد صحيح”، لكنه أخفق إلى حد ما في “هيبتا”، خاصة في الجزء الأول الذي يتسم بنسبة عالية من الملل والفتور والإيقاع شديد البطء، ثم لا يلبث أن يتحول الجزء الثاني إلى جاذبية.

هناك البعض من العناصر التي جعلت للفيلم وهجه الخاص مثل المونتاج الذي حافظ على حالة السرد من قصة إلى أخرى، دون أن يفصل المشاهد

ولا يتسبب في ارتباك، وموسيقى هشام نزيه الذي أصبح متوجا على ساحة الموسيقى التصويرية.

أداء بعض الأبطال شكّل جزءا هاما من نجاح العمل ككل، على رأسهم ماجد الكدواني الذي نجح في إقناع المشاهد بأنه يحكي عن قصص أشخاص بعيدين كل البعد عنه، رغم أنها قصته بالأساس إضافة إلى جلوسه على المنصة وطريقة حكيه.

وهو نفس الشيء بالنسبة للفنان عمرو يوسف الذي تبدأ وتنتهي الأحداث عنده، وخدعة المحاضر بسقوطه من فوق السطح بعد أن وجد سعادته مع حبيبته، في تلخيص لمشهد الإقدام على الخلاص من الحياة، وربما انتهاؤها فجأة بعد أن يجد الإنسان ما يبحث عنه.

فيلم “هيبتا” أعاد الرواية الأدبية إلى صدارة المشهد الفني من جديد، إلى درجة شجعت دار النشر على طبع نسخة جديدة، ووضعت “أفيش” الفيلم على غلافها، تماشيا مع النجاح الكبير للفيلم الذي تخطت إيراداته خمسة ملايين جنيه (حوالي نصف مليون دولار) قبل أن يكمل يومه الخامس، حتى أن دور العرض فتحت له قاعات إضافية نتيجة الإقبال عليه.

النجاح الكبير يؤكد تعطش الجمهور للقصص الرومانسية، وإمكانية استعادة جمهور الرواية صاحب الذوق الرفيع للسينما، مثلما حدث من قبل مع فيلم “الفيل الأزرق” عن رواية تحمل نفس الاسم للمؤلف أحمد مراد، وهو ما قد يمثل أملا في تصحيح مسار السينما المصرية وموضوعاتها.

16