فيلم ياسميلا جلانيتش ينكأ جراح الحرب البوسنية

الخميس 2013/10/31
جسر فيشنيغراد: شاهد على تاريخ دموي يرفض النسيان

انطلقت السائحة الأسترالية من "سيدني" إلى العالم حاملة رؤية الكاتب العالمي الحائز على جائزة نوبل إيفو أندريش في رائعته "نهر على جسر دينا"، حيث يقع النهر والجسر في هذه البلدة، ودليل سياحي يمجد الطبيعة الساحرة لهذه المنطقة مع العالم ويرى أن أجمل الليالي العاطفية يمكن قضاؤها في هذا المكان، وقاموس أنكليزي عربي بوسني، لكنها وما أن تنتهي من زيارتها الأولى وتعود إلى بلادها حتى تبدأ التعرف على تاريخ بعض المواقع في هذا المكان، ومع هول هذا التاريخ وبشاعته تعود إليه بكاميرتها، فهذا الجسر شهد مجازر وحشية يومية، وهذا الفندق الذي أقامت فيه ليلة واحدة كان معسكرا لاغتصاب ما يزيد عن مئتين من النساء المسلمات، وكل ذلك وسط صمت دولي مريب، بل إن الجسر الجديد المقابل للجسر القديم شهد مجزرة راح ضحيتها 150 مدنيا في يوم واحد، كما اغتصبت عليه النساء علانية.

نقول: إرث قديم ترسخ في الوجدان الجمعي لمواطني تلك المنطقة، لأن كل من التقتهم السائحة "كيم فيركوي" لم يكن ما جرى لهم ليمثل عبئا نفسيا أو أخلاقيا أو دينيا، وإذا كانوا جميعا قد لاذوا بالصمت وكأنهم فقدوا ذاكرتهم، فإن أحدهم وبعد أكثر من لقاء عابر قرر أن يواجهها، مؤكدا أن الصرب أسلافه حكمهم الأكراد المسلمون 500 عام، حدث خلالها الكثير، وأن هذا الإرث وراء ما جرى. وكاشفها أيضا أستاذ تاريخ يشرف على بيت ومتحف إيفو أندريش أن أحد مجرمي الحرب بعد أن قضى مدة عقابه، عاد إلى البلدة وتمّ استقباله استقبال الأبطال الذين تدين لهم البلدة بما فعلوه نصرة لدولتهم، وأنه لا يزال يعيش هنا، حتى صاحب الدليل السياحي الذي راسلته عبر البريد الإلكتروني مستفسرة عن حقيقة ما جرى لرجال ونساء تلك القرى الجبلية على الجسر وفي الفندق، وعندما التقته لم يجبها أيضا.

يضاف إلى ذلك ويؤكده أن الفندق الذي كانت النساء المسلمات يغتصبن فيه، لا يزال منتجعا سياحيا ولا يزال مديره أثناء تلك الفترة هو مديره الآن، أيضا عندما قبضت الشرطة على "كيم فيركو" كانت تساؤلات المحققين تنصب في خانة من أنت؟ ولصالح من تعملين؟ من يمولك؟ أنت لم تتركي مكانا إلا صورته فما الذي تنوين فعله؟ وكل هذه التساؤلات تنطلق من نبرة عدائية. الفيلم لم يرد فيه مشهد واحد صادم أو مؤلم، استطاع أن يشكل طوفانا من المشاعر، نجحت المخرجة أن تدفعها للتغلغل في عقل ووجدان المشاهد، فالكاميرا حولت الجسر وقوائمه الممتدة في نهر درينا إلى تاريخ من الألم المرعب تملؤه البثور والتشوهات، تشوهات التاريخ الدموي الذي شهده، أفقدته جمالياته الفنية وسط هذه الطبيعة الساحرة الممتدة أمامه وتجري بين طرفيه، أما الفندق الذي لم تتخيل بطلة الفيلم بقاءه حتى الآن دون تدميره، فقد باتت فيه ليلة مؤلمة استجمعت فيها كل أحاسيس هؤلاء الضحايا. تمهل الشرطة "كيم فيركوي" ساعة للرحيل، فتعود إلى الفندق وقد جمعت زهرات بعدد المغتصبات وبدأت تعد، كومتهم على السرير، ورحلت بعد أن تركت لعاملة الفندق مشهدا أشبه بالرسالة، رسالة إدانة لها على صمتها وتواطئها، وبعد أن رقصت مع راقص حركي اسمه "أوليس" يتوسط أحد شوارع البلدة، مؤكدة أن تعبيراته الحركية والموسيقى التي يرقص عليها وصمته ربما هي الوحيدة التي ترفض ما جرى على "جسر فيشنيغراد" القديم والجديد.

وقد أكدت مخرجة الفيلم وبطلته التي حضرت عرضه بمهرجان أبوظبي السينمائي في دورته السابعة، أنها أرادت أن تذكر المجتمع الإنساني بما جرى من وحشية في حرب البوسنة والهرسك قبل ما يزيد عن عشرين عاما، وأنها على الرغم من هول الجرائم لم تترك للغضب يجتاحها، بل علت على مشاعرها لتخرج بفيلم عميق وقادر على إيصال الرسالة.

20