فيلم يمزج التحري بالعالم الافتراضي

"عقول متوازية"شخصيات تدور في فلك خيالات تتحوّل إلى كوابيس قاتلة.
الاثنين 2020/09/14
دوامة لا نهاية لها من الأسئلة

خيالات وأحلام تقود إلى توقّعات ستحصل فعليا على أرض الواقع وتنتهي بجريمة قتل غامضة، وفق هذه الثنائية تتشكّل الدراما الفيلمية في فيلم “عقول متوازية” للمخرج بنجامين هايدن في جمع سلس بين الخيال العلمي والجريمة والتحرّي، ممّا يكسب العمل فرادته وتميّزة.

الأحلام والخيالات والتوقّعات قد تجتمع معا لتمنح الشخصية إحساسا أن حدثا ما سيقع قريبا، واقعيا لا يفترض أن يقع حدث على الشاشة من دون أن يمتلك أسبابا ومن دون أن يكون له تمهيد منطقي كاف. هذه المقدّمات البصرية تندرج غالبا في إطار الأحلام والكوابيس التي بالإمكان أن تكون تمهيدا لما هو واقعي وقادم أو أرضية لأفعال جديدة.

كل هذا ينطبق على فيلم “عقول متوازية” للمخرج بنجامين هايدن، إذ أنه ينطلق من تخيلات الشخصية الرئيسية مارغو (الممثلة تومي- أمبر بيري) التي تشاهد شيئا من تلك الكوابيس، فترى جدتها وهي تلفظ أنفاسها، فيما هي صبية صغيرة والريح تعصف من حولها، ثم لننتقل إلى الواقع ولتكون مارغو مواكبة لرحيل رئيستها في العمل إليز (الممثلة ميشيل ثراش) في ظرف غامض.

تبدو إليز مضطربة وخائفة وهي تسلّم مارغو كلمة المرور في جهاز الكومبيوتر الخاص بها بحجة أنها قد تتعرّض للنسيان، بينما هي في الحقيقة تشعر أنها سوف تتعرّض للتصفية بشكل عاجل، وذلك ما سوف يقع فعلا.

عند هذا التحوّل في الدراما الفيلمية والسرد الفيلمي سوف ننتقل من دائرة فيلم الخيال العلمي إلى دائرة الجريمة، وبذلك يدخل التحرّي وأجهزة الشرطة لمعرفة من الذي ارتكب جريمة القتل.

يحضر المحقّق توماس (الممثل كريك بيرك) ليبدأ هو ومارغو رحلة التحرّي التي سرعان ما تدخل في دائرة المغامرة، لأن لا شيء مُثيرا للبحث فيه في الوقت الحاضر.

التصوير في أماكن حقيقية منح الفيلم جانبا من الواقعية في تجسيد الأحداث، رغم استناد قصته على عوالم افتراضية

على هذه الأرضية التي تمتزج فيها دراما الجريمة مع دراما الخيال العلمي لن تجد إلاّ سباقا للوصول إلى الثيمتين بشكل ما. فعلى صعيد ثيمة الخيال العلمي، فإن الأمر الذي سوف يفاجئنا هو إشراف إليز على مشروع تطوير كائن هجيني بشري، وهو نفسه الذي يهجم عليها ويقتلها، ولكن ببرمجة من؟ وتحت أنظار من؟

هذا السؤال هو محور دراما الجريمة الذي احتل المساحة المتبقية من الزمن الفيلمي، والتي يقودها المحقّق توماس ومعه مارغو، لكنهما سوف يواجهان قوة خفية وعناصر مبهمة، وهي في حقيقتها ليست إلاّ شبكة من الذين تآمروا على إليز وقتلوها بسبب الحقائق التي تمتلكها.

وخلال ذلك، لا تُفارق مارغو الأحلام والخيالات وتختلط بما هو واقعي من جهة وتكرّس أسئلة عن جدوى تكرار تلك الأحلام من جهة أخرى، مع أنها تمت الاستفادة منها منذ البداية، فما الجدوى من تكرارها ولاسيما مشاهد الخيالات والأحلام والطفولة؟

واقعيا يتم استهداف رجل الشرطة، وذلك خوفا من اكتشافه بعض الحقائق التي يخفيها المشروع الذي اغتيلت بسببه إليز، وهو الذي حمل اسم “العين الحمراء” وكل تركيزه على قضية تأسيس نوع من الذاكرة الجديدة والافتراضية المرتبطة بالعدسات اللاصقة من خلال سلسلة من التجارب الناجحة.

وخلال ذلك، هناك معطيات بصرية تبدو عابرة. لكن السؤال هو لماذا تمّ زجها في الفيلم؟ ومن ذلك علاقة العرق بالشخصية، إذ أن الكابوس- الحلم الذي يراود مارغو، ويتكرّر بشكل ملفت للنظر يتعلق بامرأة عجوز تبدو من عرقية مختلفة، لكن لا تبرير لأفعال الشخصية، ولا تكريس لها في هذه الدراما الفيلمية.

وإذا مضينا في هذا المسار يبدو أن مارغو مع ضابط التحري بدآ يلامسان خطوطا حمراء، قد تكشف الحقيقة التي أرادا أن يفنيا نفسيهما من أجلها.

تجربة علمية محفوفة بالمخاطر
تجربة علمية محفوفة بالمخاطر

كل ذلك إنما يعود إلى رغبة المخرج في تكريس جانب الجريمة والغموض، فيما يلي من أحداث مع عدم إضعاف قضية الخيال العلمي التي تتشابك مع قضية مقتل إليز التي ذهبت ضحية كل ما وقع.

وعلى صعيد البناء المكاني والعناصر البصرية، فقد نجح المخرج في إقناعنا بأن حقيقة ما يجري إنما يستوجب اهتماما خاصا ومكثفا بالحلول البصرية، وهو ما يلفت النظر من ناحية الإيحاء بالتكنولوجيا المتقدّمة والتفاعل مع عالم افتراضي على أساس التجارب التي تُجرى على العدسات.

وهنا سوف تتكرّر لازمة في مثل هذه الأفلام، وهي لازمة الانتقال إلى عالم افتراضي لرؤية أحداث ومواقف ما ومن ثم العودة إلى الواقع، لكن مع الإسراف في مثل هذا النوع من المعالجة.

على أن التصوير في أماكن حقيقية منح الفيلم جانبا من الواقعية في تجسيد الأحداث، ثم ما لبث أن انتقل بنا بالمقابل إلى ما هو افتراضي من خلال ارتداء تلك الخوذة التي تتخللها كمية كبيرة من الأسلاك.

ولنعد بعد ذلك إلى مارغو، وهي التي تسهم في تنظيم أفكار رجل الشرطة وهي لا تزال تدور في تلك الدوامة التي لا نهاية فيها، لكنها في واقع الأمر سبب في إحداث حبكات ثانوية تسهم في تأسيس تلك الدراما.

وإذا كان البناء الدرامي سويا في فيلم “عقول متوازية”، فإن السرد الفيلمي كان بحاجة إلى المزيد من التعمّق ورسم مسارات أكثر تعبيرا عن أزمات الشخصيات، فلا يغدو الانتقال المكاني مجرد استمرار للحوارات المكرّرة والرتيبة بين الشرطي وبين مارغو، وفي كل الأحوال كانت هناك حاجة جديدة إلى المزيد من التعمّق في بناء الأحداث وطرحها على الشاشة.

16