فيلم يمشي بحذر فوق الأشواك ويلامس الأشياء العارية

"عن الآباء والأبناء" فيلم يكرس لنظرة جهادية واستشراقية وللدكتاتورية أيضا، وعمل مركب تظلمه القراءة الأحادية التبسيطية.
الأربعاء 2018/11/14
ليس للدم حرمة أو رهبة لدى أطفال يصنعون قنبلة في المنزل

التنظيمات الإرهابية التي انتشرت في سوريا لا تتوقف آثارها الكارثية عند مخلفات المعارك وأحداث العنف التي يأتيها عناصرها، بل إن الخطر الكبير هو ما تقوم به من توريث هذه الدموية المتوحشة لجيل جديد، في محاولة منها لتحقيق استمراريتها. عن هذا التوريث يتحدث الفيلم الوثائقي "عن الآباء والأبناء" لطلال ديركي.

بعد أسبوعين على فوز فيلمه "عن الآباء والأبناء" بجائزتي أفضل فيلم وثائقي عربي والنجمة الفضية للفيلم الوثائقي الطويل من مهرجان الجونة السينمائي، في 28 سبتمبر 2018، أعلن طلال ديركي مصرع بطل الفيلم حسين حبوش الشهير بأبي أسامة أثناء تفكيكه عبوة ناسفة.

وفي الفيلم الوثائقي "عن الآباء والأبناء" بدا الرجل خبيرا في اكتشاف الألغام الأرضية وإبطال مفعولها، وتفكيك ألغام السيارات وتفخيخها، وفي أحد الانفجارات بترت قدمه اليسرى، فلم يجزع، وقال إنه دعا "الله أن يكون ابتلائي في ساقي اليسرى وليست اليمنى، حتى أتمكن من قيادة السيارة. والرجل من قادة تنظيم القاعدة في سوريا، وظل محتفظا بمكانته بعد أن حمل التنظيم اسم "جبهة النصرة"، واتخذ من ريف حلب منصة لإطلاق أحلامه بتحقيق
الخلافة.

هناك أفلام تتجاوز كونها مجرد شرائط سينمائية تقتنص جانبا من عالم غرائبي، وينتشي صناعها ومنتجوها بحصر حصيلتها من الجوائز، ويفخرون بالاحتفاء بها في مهرجانات لا تخلو أحيانا من منطلقات استشراقية. ينتمي فيلم "عن الآباء والأبناء" إلى أعمال تمشي بحذر فوق الأشواك، وتقترب من لمس أسلاك أو أعصاب عارية؛ لأنه عمل مركّب تظلمه القراءة الأحادية التبسيطية، سواء المتربصة الرافضة أو تلك المصفّقة لأسباب غير فنية.

توريث العنف

الفيلم عينا ذكية في اختيار ما ترصده

يمكن اعتبار الفيلم عينا ذكية في اختيار ما ترصده، وأذنا تجيد الإنصات إلى ما يؤمن به بطله أبوأسامة، وإسهابه في طرح تصوراته عما يقول إنه الشريعة الإسلامية، ورؤيته للعالم الإسلامي وعلاقته بالعالم، ويقينه برجوع المهدي المنتظر لينتصر على المسيح الدجال، وغير ذلك من خرافات خارجة بطزاجتها من بطون الكتب الصفراء.

كل هذا يرضي طرفا محكوما ببقايا أساطير اختلقها أسلافه من الرحالة والمغامرين عن العالم الإسلامي، ويتمنى أن يصنع فيلما يكرس هذه النظرة، وإذا أغناه من ينتمي إلى هذا العالم الغارق في الأساطير والكراهية، وقدم مثل هذا الفيلم للإيهام بأنه يصور "واقع" منطقة خطرة على العالم وحقيقة بشر غير جديرين بالحياة. ولا تقتصر الخطورة على العالم من هذا الجيل، فالسم الإرهابي يسري من الآباء إلى أبناء أخرجوا من المدارس، وانخرطوا في تدريبات عسكرية، وتلقوا تعليمات ترسّخ في أنفسهم حتمية الحرب "المقدسة"، إعلاء لكلمة الله ولو بإعلان الحرب على العالم.

 أبوأسامة إذن ليس شيطانا، ولكنه مؤمن بقضية، وينزع عنه الفيلم فكرة الشر المطلق؛ فهو يحب أبناءه الثمانية، ويرجو لهم خيرا يراه في الإخلاص للجهاد، وإتمام رسالة وهب لها حياته. وكما يستنسخ الأب أفكارا ماضوية، فهو يحيي ذكرى رموز تنظيم القاعدة بمنح أسمائهم إلى أولاده، فالكبير أسامة (13 عاما تيمنا بأسامة بن لادن)، ويليه أيمن (12 عاما محبة لأيمن الظواهري الرجل الثاني في التنظيم)، وبالأسماء يحكم المصائر، عبر تلقينهم روح الجهاد، ويحضر العنف في نسيج الخطاب والسلوك الأسري، وينحدر من الأب إلى الأبناء، ومن الأبناء إلى كائنات أكثر ضعفا وهي الطيور، حيث ينجح الأطفال في نصب فخ لطائر، ويسأل الأب ابنه عن مصير الطائر، والابن يرد "ذبحناه"، فيبتهج الأب ويصيح "الله أكبر".

الفيلم يرضي طرفا محكوما ببقايا أساطير اختلقها أسلافه من الرحالة والمغامرين عن العالم الإسلامي ويكرس نظرتهم إليه

ليس للدم حرمة أو رهبة لدى أطفال يصنعون قنبلة في المنزل. وتعجز قوانين الوراثة ووحدة التعليمات عن إخراج نسخ بشرية متطابقة، فلا يتشابه الشقيقان، إذ لا يبدي أيمن حماسة للتدريبات البدنية، أما أسامة فيميل إلى العنف، ويعتنق أفكار أبيه عن الجهاد المسلح، وإن افتقر إلى مظاهر التدين البسيط. في أحد المشاهد يتكلم الأخ الأصغر "عمر" عن كذب أسامة بشأن الصلاة، وأنه بذلك يكفر ويخرج عن الملة، في انتقال لفتوى التكفير من الآباء إلى الأبناء.

مساءلة الفيلم

 لا يضيف الفيلم جديدا إلى عين داخلية منزهة عن الغرض الاستشراقي، وتنأى عن التهوين والتهويل، فليس أبوأسامة صيدا سينمائيا، وإنما هو نموذج لجهاديين متطرفين يرددون كلاما يؤمن به آخرون يعيشون بيننا، وينطق به خطباء المساجد محتجين بوجوده في كتب الفقه. ووجود هذا الداء لا يعني تعميمه، فليست إدلب هي كل سوريا، وسوريا لا تمثل العالم الإسلامي، وأبوأسامة يختلف في الدرجة والنوع عن غيره من المنتمين إلى فصائل وتنظيمات إرهابية ستتصارع بزوال العدو الذي يوحدهم، كما دارت حروب أهلية دامية بين شركاء "الجهاد" في أفغانستان بعد خروج السوفييت. ولكن الفيلم يكتفي بما يشبه الإنصات المدرسي الذي يمتد 99 دقيقة هي طول الفيلم.

فيلم

 في ظل الحرب، يبدو ريف إدلب مقفرا وموحشا، خلاء تتناثر فيه بقايا منازل، وهياكل دبابات معطوبة، وألغام أرضية تنتظر الضحايا، ومعسكرات للتدريب على القتل. وأمام هذا الخراب والإرهاب المستند إلى نصوص فقهية، سينحاز المشاهد إلى أهون الشرّين، ويؤجل خيار الحرية، ويلتمس أمنا يوفّره الدكتاتور.

 في مهرجان الجونة قال المخرج إنه صور نحو 300 ساعة، حصاد 330 يوم تصوير، خلال 30 شهرا بين عامي 2014 و2016 سافر خلالها إلى سوريا ست مرات، بصحبة المصور قحطان حسون. فترة طويلة جدا كما ترى، تكرر فيها الدخول والخروج بإذن الجيش الحرّ، والتمتع بحماية الإرهابيين. فكيف أقنع صانع العمل أبا أسامة والذين معه، طوال هذه الفترة، بأنه مصور صحافي يؤمن بأفكار التنظيم، كما جاء في الفيلم؟ هل هذا السبب الساذج كاف لكسب ثقة أناس لا يكون الخطأ معهم إلا بثمن فادح؟

 قلت إن أبا أسامة لم يكن شيطانا في فيلم ينفي عنه فكرة الشر المطلق، ولكنه في حقيقة الأمر "إرهابي" يقتل ويورّث القتل. لا ينكر هذه الصفة وإن رفض المسمى، فهل يُسمح لمخرج ألماني بصناعة فيلم يتبنى بطله الفكر النازي مرتبطا بتطبيقاته العملية على أولاده؟ هل يطمح الإرهابيون إلى أكثر من مثل هذا الفيلم؟

 بقيت نقطة شكلية تنتقص من الفيلم الوثائقي إذ مال بعض من شخوصه إلى التمثيل، بوازع شخصي أو بتعليمات من المخرج، وقد فعلها أسامة أحيانا، وتضاف إلى "الأداء" مؤثرات صوتية في أحد المشاهد، وخصوصا صفعة الأب لابنه، وكأنه فيلم روائي. وسبق أن اعتذرت وكالة رويترز، في أغسطس 2006، عن بث صورة تدخّل فيها المصور عدنان الحاج بزيادة حجم وكثافة الدخان الناتج عن قصف طيران العدو الإسرائيلي للبنان، فاستغنت الوكالة عن المصور، واعتذرت عن هذا "التمثيل".

14