فيلم “جنة الحلم”.. واقع مشوّش في زمن ديستوبي بائس

"جنة الحلم" للمخرج بروس ماكدونالد.. صورة عن مجتمع هامشي لا يعرف مصيره.
الاثنين 2020/06/29
عالم سري يقوم على الاتجار بالبشر

قد تكون الجنة الأرضية هي الجحيم بعينه في نظر البعض، بينما هي أجمل ما يكون في نظر البعض الآخر، وما بين النظرتين ثمّة انقسام بين شخصيات تنتمي أو لا تنتمي للمكان وما يجري في تلك الجنة المفترضة.

 لندن – قد لا يبدو إطلاق عنوان “جنة الحلم” موفقا على بوتقة مكانية تعبث فيها الشخصيات، باعتبارها بيئة حاضنة للكثير من العنف والكراهية.

وعلى وقع هذا المدخل يمكننا المضي في قراءة أحداث ومجريات فيلم “جنة الحلم” للمخرج بروس ماكدونالد من وجهة نظر الشخصية الرئيسية التي تؤدي دورين مختلفين، هما جوني والمايسترو (الممثل ستيفن ماكهاتي).

ومنذ المشاهد الأولى سندخل في دوّامة من الأسئلة التي لن نعثر على الكثير من الإجابات عنها، ومثال ذلك عندما يقوم جوني باصطحاب شخص وأبيه بسيارة الأجرة التي يقودها، ثم لا يلبث أن ينقض عليهما بالرصاص ليجد نفسه في خطوة لاحقة، وهو يقوم بحرق السيارة بمن فيها من الأشخاص الذين قام بقتلهم.

وهذا القاتل الذي لا تُعرف دوافعه يعمل تحت إمرة شخص متوتّر يدير ذلك الجحيم الأرضي، هو هيركلوس (الممثل هنري رولن) الذي تنحصر كل مهامه في الانقضاض على الخصوم تباعا، وعلى فرض استنتاج بأن جهة ما عليا هي التي تدير كل شيء من وراء الستار.

لكن في المقابل هنالك المايسترو المشغول بالموسيقى والذي لسبب ما سوف يُطالب هيركلوس القاتل المأجور بجلب إصبع المايسترو. ولكن ولكي لا يلحق الأذى به، فإنه يتّفق مع أحد المشرّدين فيقطع إصبعه في مقابل بعض المال، إلّا أن هيركلوس سرعان ما يكتشف الخدعة فيتصدّى لجوني والمايسترو.

الفيلم أشبه بالأفلام الطليعية والتعبيرية التي سادت فيها النهايات المفتوحة والانتقالات غير المبررة والأفعال المفاجئة

على وفق هذه الخلفية المتوترة من الأحداث سوف نكتشف العالم السري لهيركلوس والقائم على تهريب البشر والاتجار بالأطفال والحالات الشاذة.

هو بالفعل عالم مشوّش، صورة مدينة في زمن ديستوبي بائس. ولكن من دون أن نتعرّف على الأزمات وما حل بالبلاد كلها، والأمر مرتبط بسماسرة ومافيات تعتاش تحت الأرض وفي الظلام مستغلة ما آلت إليه الأوضاع ما بعد الديستوبيا مئة مرة.

ولعل مسار الأحداث القائم برمته على طاعة هيركلوس سوف ينتج عنه تفكّك في السرد الفيلمي، ولاسيما لغرض فهم الدور المزدوج للقاتل جوني في مقابل المايسترو، وهل أراد المخرج ببساطة مثلا أن يقول إن للشخص وجهين وإن في داخله قوتين تتصارعان حينا وتتكاتفان حينا آخر.

وفي المقابل بدت شخصية المايسترو غارقة  في اللامبالاة، فهو عازف موسيقي منعزل ويعيش عالمه وأوقاته الخاصة، وما يتكرّر هو ملاحقة مسؤولة الفرقة السيمفونية له لمناشدته العودة إلى العزف.

أما ما حلّ بجوني فكأنها صحوة ضمير مفاجئة في امتناعه عن قطع إصبع المايسترو، وكذلك عدم رضاه على اختطاف فتاة مراهقة وبيعها لصالح الكائن دراكولا.

رتابة في تسلسل الأحداث
رتابة في تسلسل الأحداث

يبدو أن لا أحد بإمكانه الغوص في تلك الأسرار التي تنغمس فيها نساء وفتيات قاصرات تحت سيطرة هيركلوس سوى المجازفة التي سوف يرتكبها جوني والتي سوف تدفعه لاحقا إلى اختطاف فتاة صغيرة كان هيركلوس قد انتقاها لبيعها إلى أحد الأشخاص.

وكأن سياق الأحداث أُريد به المضي إلى نهايات مفتوحة، ولكن وفي نفس الوقت كانت هناك حلول إخراجية تتعلق بطابع التكرار التي قادت إلى الرتابة في تسلسل الأحداث، فضلا عن هبوط الإيقاع الفيلمي.

والملاحظ هنا أن الشخصيات لم يجر التعمّق في بنائها الدرامي، ولهذا بقيت في إطار ما تمّ رسمه لها وهي تحاول أن تغيّر ما في داخلها. لكن من دون جدوى. ومن ذلك مثلا أن أغلب الشخصيات التي تظهر تباعا تفتقر إلى الحياة الشخصية والخاصة.

وأما على صعيد البناء المكاني فقد تم تأسيس المشاهد على أساس ذلك المكان المغلق، والذي يحتوي الشخصيات وهي في عزلتها أو وهي تواجه أزماتها وعاجزة عن حلها أو الخروج من الدائرة التي هي فيها.

ومن جهة أخرى حرص المخرج على إضفاء جو من الغموض، وخاصة في المشاهد الليلية حيث يتم عرض مجمل الأحداث بإضاءة خافتة، بينما كان هيركلوس يدير شبكته بأريحية قبل أن يتصدّى له جوني ويتخلص منه ويقوم بتهريب الفتاة.

ومع تطوّر وتصاعد الأحداث في الفيلم بقيت هنالك العديد من الأسئلة دون إجابات بسبب تدفق الأحداث إلى اتجاهات متشعبة، لا تنتهي بإشباع كامل على صعيد معرفة المكان والشخصيات ودوافعها وماذا تريد عندما تتصادم مع بعضها أو هي تعيش حياتها الخاصة.

ومثل هذه الأفلام تعود بنا إلى موجة الأفلام الطليعية والتعبيرية التي سادت فيها النهايات المفتوحة والانتقالات غير المبررة والأفعال المفاجئة، فضلا عن توظيف عناصر الصورة والإضاءة بكثافة للوصول إلى الهدف.

ولا شك أن المخرج بروس ماكدونالد قد التقط شيئا من ذلك، ولكنه زجّ أحداث فيلمه في مسار مختلف أجمع الكثير من النقاد على أنه مسار مفكّك يفتقد إلى الرؤية المتوازنة التي توظّف العناصر الفيلمية للخروج بمحصلة مميزة على صعيد الموضوع واستخدام الشخصيات وتطوّر الأحداث في مجتمع هامشي مشوّش لا يعرف ما هو مصيره.

16