فيلم "ﮊين" الكردي: من "ليلى والذئب" إلى "ليلى والحرب"

الثلاثاء 2013/11/26
الفيلم جمع بين سحر الطبيعة ووحشية الحرب

لندن – احتفى مهرجان الفيلم الكردي الذي أقيم بلندن في الفترة الممتدة من 15 إلى 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري بعرض 23 فيلما روائيا، تم انتقاؤها من الأقاليم الكردية الأربعة الموزعة بين العراق وإيران وتركيا وسوريا. وربما يكون فيلم "ﮊين" للمخرج الكردي التركي رها إردم هو الأكثر تميزا على صعيد المعالجة الفنية والخطاب البصري الساحر، ناهيك عن الأداء المُتقن للممثلة دنيز هاسكولر التي جسّدت دور "ﮊين" بحرفية عالية نالت عليها استحسان المشاهدين.

لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار أن العنوان ينطوي على إحالة واضحة إلى تيار القصص الخرافية التي تذكرنا بقصة "ذات القبعة الحمراء" للكاتب الفرنسي شارل بيرو، أو قصة "ليلى والذئب" العربية من باب التحذير أولا على الرغم من أن القصة السينمائية لرها إردم لا تحذر "ﮊين" كثيرا من حيوانات الغابة المفترسة، بل على العكس تتآلف معها طالما أن خطر الحرب يهدد الجميع بشرا وحيوانات وعناصر الطبيعة بمجملها.

عبثية الحروب


ثمة إشارات واضحة في الفيلم مفادها أن المخرج ينوّه إلى عبثية الحروب، ليس في كردستان فحسب، وإنما في مجمل أنحاء العالم طالما أنها تبيد الحرث والنسل، لذلك تنسحب "ﮊين" الفتاة ذات السبعة عشر ربيعا من مجموعتها الكردية المتمردة، التي تقاتل الجيش التركي في شرقي كردستان من دون أن تقدّم للمشاهد أسبابا منطقية لهذا الانسحاب. فالقول بأنها ذاهبة كي تعتني بجدتها المريضة، التي سنعرف لاحقا أنها تعيش في مدينة إزمير في أقصى الطرف الغربي من البلاد، هو تبرير غير مقنع. من هنا فلا بد للمشاهد أن يعرف السبب الحقيقي الذي دفع "ﮊين" لأن تنسحب، أو تحاول الانسحاب، على الرغم من أنها لم تنجح في تحقيق هدفها الكامن في تلافيف ذهنها. وهذا السؤال بحد ذاته هو الذي يحثّ المشاهد على التفكير وإعمال الذهن بغية ملامسة الفكرة الأساسية التي يشتغل عليها مخرج الفيلم. هنا تتشظى الثيمة لتأخذ بُعدا إنسانيا رافضا للحرب قد لا يجد قبولا واسعا لدى أبناء الشعب الكردي، الذي يريد أن ينتزع حقوقه القومية والثقافية والسياسة عبر الحرب، ومقارعة الأنظمة المستبدة في الدول الأربع المذكورة سلفا.

حينما تنسحب "ﮊين" من مجموعتها المسلحة تواجه خطرين، خطر المتمردين أنفسهم، وخطر القوات التركية التي تقاتل العناصر المسلحة وتقمعها بقوة الحديد والنار، فلا غرابة أن تقع في وسط النيران المتقاطعة للطرفين غير مرة، وأوشكت أن تفقد حياتها، لولا رشاقتها في الحركة وقدرتها على المراوغة والاختباء.

يوفر لنا طريق العودة الذي سلكته "ﮊين" العشرات من المشاهد المذهلة التي تكشف عن ثراء الطبيعة الكردستانية بجبالها الشماء، وأشجارها الباسقة، وأنهارها الفضية، وعيون مائها المتدفقة التي تخلب الألباب. وعبر هذه التقنية أتاح لنا المخرج ومصوره البارع فلورنت هيري، أن نستمتع بالطبيعة الآسرة التي تآلفت فيها البطلة مع الحيوانات البرية التي يُفترض أنها متوحشة، لكن هذه المعادلة الغريزية تنقلب رأسا على عقب، حينما تقصف الطائرات التركية معاقل المتمردين، بل إنها لا تتورع أن تستهدف فتاة في عامها السابع عشر لمجرد أنها تخترق تلك المضارب أو أن تتمشى فيها، لذلك نراها تلوذ بالمغاور والكهوف إلى جانب بعض حيوانات الغابة مثل الدب الذي بدا خائفا هو الآخر، والقط البري المتوحش، والغزال المذعور، والحمار المُصاب بشظية أو طلق ناري، كما أن الأفاعي لم تبد أية نوازع عدوانية خلال القصف أو بعده.

فنون القتال

تقطع "ﮊين" مسافات طويلة فتشعر بالجوع على الرغم من أنها كانت تتفنن في الحصول على الطعام، ولا تتورع عن شرب مح بيوض الصقور. تتطلع من قمة الجبل فترى بيتا منفردا، وحينما يغادر صاحب الدار تلجه وتأخذ ما تحتاج إليه من طعام وملابس، وقبل أن تغادر البيت تسمع صوت امرأة عجوز تنادي ابنتها، كي تناولها الدواء فتقوم "ﮊين" بذلك، ثم تودعها على عجل بعد أن تدس كتابا مدرسيا في كيسها كي تعود إلى الجبل ثانية. وفي أحد الكهوف الذي تركت فيه بندقيتها، تخلع "ﮊين" ملابسها العسكرية وترتدي الملابس المدنية التي أخذتها من البيت المنفرد.

تنمو الأحداث حينما تترك المناطق الجبلية، وتبدأ في أكثر من رحلة صوب إزمير أو المدينة الكبيرة كما تسميها، حيث تصادف سائقا فيه كثير من مشاعر الأبوة، يقارنها بابنته ويحذرها من مغبة الطرق التي تسلكها. وحينما تستقل سيارة ركاب مدنية، تتعاطف معها امرأة أخرى وتأخذها إلى عمل شاق يدرّ عليها بعض النقود، لكنها لا تحمل معها هوية شخصية، فتكون عرضة للشكوك، حيث يعتدي عليها صاحب العمل أول مرة، لكنها تتخلص منه ببسالة وخفة بعد أن تضربه بحجر على رأسه فهي تتقن فنون القتال، ثم تودع في الحبس مدة قصيرة، لكنها تنجو بنفسها، حينما يشتد القتال بين المتمردين والقوات التركية. تقتضي الرحلة إلى إزمير الوصول أولا إلى مارسين غير أن المدن مليئة بنقاط التفتيش والحواجز الأمنية، لذلك تقرر العودة إلى الجبال وتكاد تفارق الحياة جرّاء القصف الوحشي ورشقات الأسلحة النارية المنصبة من الطائرات. وفي خضم هذا الاشتباك ترى جنديا تركيا جريحا، فتضمد جراحه ثم تأخذه إلى مغارة، وبعد لحظات توتر وخشية من هذا الجندي المصاب تتعاطف معه، وكأنها تقول إن الجميع مبتلي بهذه الحروب التي دامت أكثر من 30 عاما بين المتمردين الأكراد والقوات التركية، ولا بد أن يضعوا حدا لها. يطلب الجندي أن يتصل بزوجته بهاتفه النقّال، كي يخبرها بأنه على قيد الحياة حتى وإن كان مصابا. ثم تجلب له في نهاية المطاف عصا يتكئ عليها وتتركه يغادر المغارة التي تبعد عن القرية مسافة ست ساعات تقريبا، ليصل الفيلم إلى نهايته التي تحضّ على التأمل والتفكير ونبذ الحرب التي قضت على 30 ألفا من الشباب خلال 3 عقود.

16