فيليب عرقتنجي مخرج لبناني يصور الشخصي ليحكي العام

الجمعة 2014/04/25
فيلم "ميراث" حكاية مخرج باح بالحميمي عن ذاته ووطنه

بيروت- أمضى المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي (مواليد بيروت، 1964) حياته السينمائية مخرج أفلام وثائقية بغالبيتها الساحقة، وأفلام أخرى تصنع بناء على طلب شركات ومؤسسات تجارية. عاش أهوال الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أن يسافر إلى فرنسا ويحصل على الجنسية الفرنسية، ويدخل مغامرة البحث عن معنى المكان الجغرافي، والهوية.

الهجرات والحروب والذاكرة الفردية والبحث عن خلاص وعن معنى البلد (لبنان) ومجتمعاته، أمور حاول معالجتها فيليب عرقتنجي والبحث فيها وعنها. حاول فهم أسئلتها، وتسليط الضوء على بعض خفاياها ومتاهاتها.

لم يحظ فيلماه الروائيان الطويلان “البوسطة” (2005) و”تحت القصف” (2008) بحماسة نقدية كبيرة، على نقيض اهتمام جماهيري لافت للانتباه أحيانا. في الأول، حكاية مجموعة من الشباب المتعطشين إلى رقص الدبكة اللبنانية بتنويعاتها الطائفية والجغرافية والبيئية والثقافية المختلفة داخل البلد، هم الذين عانوا حربا دمرت كياناتهم، ومزقت علاقاتهم، وكادت تقضي على آخر الخيوط الجامعة بينهم.

وفي الثاني، حكاية بحث عن خلاص معلق، في اللحظات الأخيرة لحرب “تموز 2006” بين إسرائيل و”حزب الله” ـ لبنان. أسئلة عديدة يطرحها الفيلم: البحث عن مفقود. هوية البلد وناسه، أو بالأحرى هويات البلد وناسه.. العمالة مع إسرائيل.. الحرب والموت والبقاء.. مغامرة التصدّي للخراب.

فيلمه الجديد مختلف تماما عن سيرته المهنية كلها. “ميراث” (2013) وثائقي طويل (96 دقيقة)، يمزج التوثيقي بالمتخيل والروائي، ويفتح الذاتي على العام، ويروي حكاية المنفى والذاكرة والتاريخ والصدف.

حكاية عائلة، هي عائلة المخرج نفسه (زوجته وأولاده الثلاثة). لكن أيضا حكاية الأهل والأجداد، وحكاية الحرب والمسارات المختلفة، وحكاية الشرق والبلد (لبنان) وبيروت والحرب الأهلية اللبنانية والتاريخ والذاكرة.

صور فوتوغرافية إلى جانب أفلام عائلية وأخرى قديمة بالأسود والأبيض. حكاية مخرج يريد أن يبوح بالحميمي، كي يرسم صورة حسية لبيئات اجتماعية، وأناس من لحم ودم. يريد أن يبوح أمام أولاده الثلاثة كي يقول لهم بعض الماضي. كي يقول لنفسه أيضا معنى الذاكرة والتاريخ والراهن، والمقبل من الأيام.

فيليب عرقتنجي: هل هذا الشرق يحمل في ذاته قصص الحروب والهجرات

عن بدايات المشروع ومعنى المفردة المختارة عنوانا للفيلم (ميراث)، قال عرقتنجي إن الميراث، لغويا: “هو ما يمكنك إعطاؤه لأبنائك، الذين يأتون إلى الدنيا حاملين معهم عبء التاريخ”.

هذا من جهة أولى. من جهة ثانية، لطالما كان فيليب عرقتنجي مشدودا إلى الخارج لتصوير حياة الآخرين، حياة أناس “استثنائيين” قطعوا أشواطا خارج المألوف: “في عام 2006، اندلعت “حرب تموز”. كان عليّ أن أغادر البلد مع زوجتي وأولادي الثلاثة. حينها، اشتعلت حرب في حياتي أيضا. مجددا، رحت أتطلع صوب طريق الغربة. تكرار هذه الأمور جعلني أًدرك فجأة أني أنا نفسي حالة استثنائية، وأنه بات عليّ التطلع إلى الداخل”.

طلب من أصدقاء قلائل مشاهدة ما صوّره، وإبداء آرائهم في ما سيشاهدونه. أحدهم يدعى جيروم كليمان، أحد مدراء “آرتي” (المحطة التلفزيونية الثقافية الألمانية الفرنسية). طبعا، أراد أن يشاهد ما صوّره لقول رأي شخصي، وأيضا لكونه مديرا في هذه المحطة المعروفة باهتمامها بإنتاج أفلام سينمائية: “كنت قلقا بشأن فكرة الشخصي/ الحميمي، وبشأن طغيان الشخصي على الفيلم”. روي أن كليمان قال له: “بتصويرك الشخصي فإنك تصوّر العام”. أو بمعنى آخر: “بقدر ما تتحدث عن هذا الشخصي، فإنك تتحدث عمّا هو أعمّ وأشمل”.

يعترف فيليب عرقتنجي أن الصعوبة الأساسية كانت مع زوجته ديان، التي سألته عمّا إذا كان يصوّر فيلما “عن حالنا”. الصعوبة التالية كامنة في كيفية التعاطي مع الشخصي، وفي كيفية ضبطه: “سألت نفسي: هل أتحدث عن الشخصي كثيرا؟ ما جرى في ذاك العام أيقظ فيّ شعورا أحسست به سابقا.

كأنه صدى لحكايات كثيرة. قصتي أنا أولا. ولكن أيضا قصة جدتي التي تركت بلدها الأم (تركيا) على متن باخرة عسكرية قبل تسعين عاما. صدفة؟ عند خروجنا من بيروت على متن باخرة عسكرية فرنسية في عام 2006، رسونا في مرفإ تركي (كمحطة أولى) وليس في قبرص. إنه المرفأ نفسه الذي خرجت منه باخرة جدتي قبل تسعين عاما. صدفة؟ لا أعرف. لكنها صدف دفعتني إلى استعادة الزمن، والبحث في التاريخ العائلي. اكتشفت أن لا أحد من أهلي وأجدادي ولد ومات في المكان نفسه. جميعهم هربوا من حرب أو مجزرة، ولو مرّة واحدة في حياتهم على الأقل”. هذا الأمر طرح عليه سؤالا: “هل كان المنفى محتم على عائلتنا، أو أن هذا الشرق يحمل في ذاته قصص الحروب والهجرات؟”.

وعن الشخصي في الفيلم؟ قال إنه توقف هنا متأملا في أحوال مشروعه، وفي أحواله هو أيضا: “كنت خائفا من تحقيق فيلم شخصي. لكن، بعد أعوام، دفعتني الرغبة، بإلحاح، إلى متابعة “ميراث”. كان عليّ أن أجيب على أسئلة أولادي الثلاثة، المتعلقة بأسباب رحيلنا الملحّ إلى فرنسا يومها. يختم قائلا: “فهمت عندها أني إذا تخليت عن ماضي ولم أخبر أولادي عنه، فإني لن أستطيع إخبارهم عن الحرب والهجرة. لن أستطيع، ببساطة، أن أُكمل طريقي.

16