فيليب كونييه رسام شمع النحل المحمى

فيليب كونييه فنان يكاد يكون مجهولا في بلاده فرنسا رغم أنه معروف عالميا، تُصدّر لوحاته حتى إلى اليابان، يستعمل هو أيضا آلة التصوير الشمسي والفيديو، ولكنه يحوّل المشهد من بُعده الواقعي إلى لوحة فنية تجريدية وأحيانا تكعيبية، بفرشه على القماشة، وطَلْيه بطبقة من شمع النحل، ثم تغليفه بغلاف شفاف، وكيّه بالمكواة، ليمنح اللوحة أشكالا تضع التباس المرئي في حركة دائبة.
الاثنين 2017/02/13
رسوم مكوية

ولد التشكيلي الفرنسي فيليب كونييه عام 1957 بمدينة نانت على المحيط الأطلسي، وقضى طفولته مع والديه في البينين حتى أواسط السبعينات، حيث عاد إلى فرنسا والتحق بمدرسة الفنون الجميلة في مسقط رأسه، وحصل منها عام 1982 على دبلوم الفنون التشكيلية، وبدأ منذ ذلك التاريخ مع مجموعة من زملائه الشبان يقترحون أعمالا عدّها نقاد الفن ومؤرخوه، مثل هكتور أوبلاك وديديي سيمان، تجارب جديدة جادة، تفتح الفن التشكيلي على تصويرية مستحدثة.

يتوسل كونييه بتقنية فريدة لم يسبقه إليها، في ما نعلم، أحد. حيث يقوم بتصوير مواضيعه بآلة تصوير شمسية أو بجهاز فيديو يتخير منه بعض الصور ويعيد تثبيتها، ويبثها على شاشة كمبيوتر، ثم يبث تلك الصور، كما هي أو مفككة ومجمَّعة من جديد، على محمل من قماشة أو خشب.

يستعمل عندئذ ملمّعا من شمع النحل والأصباغ لإعادة إنتاج الصور المنتخبة بتتبع خطوطها وأبعادها ومنعرجاتها بالفرشاة، ثم يغطي اللوحة المرسومة بغلاف من البلاستيك، ويحمّي ذلك الشمع بمكواة لتذويبه، وبسطه على اللوحة بسطا يخلق أشكالا متنوعة، وطَمْرا ملتبسا للمشهد في المادة، فإذا كان يستعمل التصوير الشمسي، فليس لتثبيت الواقع كما هو، بل لكي يدخل عليه عدة مؤثرات شكلية ما يفتح اللوحة على تأويلات لا حصر لها، ذلك أن في مرونة شمع النحل المحمّى، تخلق خطوط الفرشاة جزئيات فريدة، لا وجود لها في “بِكسل” الآلة رغم دقتها.

يقول كونييه “إن إزالة الوضوح عن المنظر يفتح حقل الخيال والذاكرة، وبالانزياح عن الواقع وترك المادة تعيد تشكيل نفسها للتعبير عنه، تأكيد على قوة الفن التشكيلي، أنا أنطلق من فن واقعي للوصول إلى فن أوهام، ينفلت منه الواقع”. وعندما تعاب عليه الإساءة إلى المادة، يقول “كلا، أنا أداعبها، وأدفّئها، أنا أتحد مع المادة كاتحاد المؤمنين عند القدّاس”.

النقاد يصنفون فن كونييه بين التصويرية والتجريدية نظرا لذوبان المنظر المرسوم واختلاطه ببقية اللوحة فيفقد دلالته

منذ تسعينات القرن الماضي لا يزال كونييه يمتح مادته من الفضاء المديني، فالأعمال الضخمة التي أنجزها كانت ذات صبغيات محايدة، بالأسود والأبيض في الغالب، ارتكز فيها على شبكة خطوط تحيل على التكعيبية، وتقنية الشمع المذوّب التي يستعملها تغذي جمالية دمار وفوضى: فالأبراج والصروح تترنح، وكأنها على وشك الانهيار، ومن هذه الإحالة على الحطام تنتج مفاهيم الوحدة والخفاء والإهمال.

بعد مجموعته الأولى القائمة على مناظر هندسية مدينية، وسّع كونييه رؤيته كي تحيط بواقع أشمل، وأكبر اتساعا من المدينة، كما هي الحال مع صور “غوغل إيرث” المأخوذة عموديا عبر الكواكب الاصطناعية، والتي استفاد منها كثيرا لتقديم لوحات عن هونغ كونغ والقاهرة وروما وباريس ونيويورك… وهي مدن تشد النظر بأحجامها الجبارة، وتشد أيضا بمعمارها الذي يقع تمثله في العمل الفني، فتبدو المدن بعد الإنجاز جملة من معالم مدينية مفككة، ممزقة، متشظية، اتخذت أشكال نظرة الفنان الذاتية.

هذه الثيمة التي يحتفي بها الفنان تسمح له بوضع العلاقة بين الهندسة والحياة النفسانية موضع مساءلة: فمعالم شهيرة كمركز بومبيدو بباريس ومتحف غوغنهايم ببلباو وكنيسة القديس بطرس بروما لا تبدو لنا، يقول كونييه، في بنيتها الواقعية والموضوعية، “بل تتبدى في الشكل الذي يمكن أن تقيم فيه داخل ذاكرتنا”.

ولتجنب التكرار، لم يتخل كونييه عن تقنيته ولا عن ثيمته، بل انتقل منذ مطلع الألفية إلى مكونات المدن، ولا سيما المتاجر التي أصبحت رمزا للاستهلاك المفرط، فيصورها كأماكن ذات هندسة معمارية راقية لا محالة، وكبورتريهات عن المجتمع أيضا.

إن ما يبثه كونييه على اللوحة في النهاية إنما رؤيته الذاتية لمشاهد من المدن القريبة والبعيدة، وواقع تربكه الذاكرة، وصور معالم ضخمة ينظر إليها من منظور خاص، فالأماكن التي يرسمها يتناوب ظهورها ذائبة تحت القيظ حينا أو منظورا إليها عبر نافذة مضبّبة حينا آخر، ما يجعلها تعطي انطباعا أكثر مما تقدم رؤى. وكونييه يشبه متعته المرحة بمتعة أطفال يرسمون بشوكاتهم أثلاما منتظمة على عصيدة البطاطا، قبل أن يخلطوها كلها.

يصنف النقاد فن كونييه بين التصويرية والتجريدية نظرا لذوبان المنظر المرسوم الذي يختلط، بفعل التقنية التي يتوخاها الفنان، ببقية اللوحة فيفقد دلالته، إلا أن كونييه يدرج نفسه داخل التصويرية لأنها تسمح له، على حدّ قوله، بأن يقول أكثر عن علاقته بالعالم، من خلال الاتكاء على عناصر الواقع، تلك العناصر التي يقودها إلى الاختفاء وليس إلى التجريدية، وإن كان يبلغ حافتها.

16