فيليب لام جوهرة الكرة الألمانية عينه ما تزال على البايرن

السبت 2017/05/13
فيليب لام كاتب ولاعب كرة قدم يعتزل اللعب ليعمل خبازا أو رئيسا

برلين- هو لاعب يتمنى كل حراس المرمى أن يقف أمامهم، لمَ لا وهو الذي عرف بانضباطه رغم حماسه الشديد، يكفي أن تشير إلى سجله الخالي من البطاقات الحمراء لتعرف كم هو حريص على لعب كرة قدم أنيقة مكللة باللعب النظيف، لكنه في الوقت نفسه يحمل كثيراً من التناقضات فهو لا يحب طريقة اللعب الألمانية التي تعتمد على خطة كالماكينة المبرمجة بل يحب أن يكون متحرراً من كل القيود ويكون أكثر انفتاحاً في أرضية الملعب، وهو كذلك سياسي يريد أن يكون بلده ألمانيا منفتحا، داعياً في عدة مناسبات إلى الوقوف في وجه موجة اليمين المتطرف التي صعدت مؤخراً بعد أزمة اللاجئين.. إنه باختصار جوهرة الكرة الألمانية فيليب لام.

الطفل القصير المثير للسخرية

في الحادي عشر من شهر نوفمبر عام 1983 ولد فيليب لام في مدينة غيرن غرب مقاطعة ميونخ الألمانية. هناك في النادي القريب من منزل عائلته مارس كرة القدم عندما كان في الخامسة من عمره في نادي غيرن حيث تعمل والدته كمسؤولة في فئة الناشئين والشباب وحيث لعب والده أيضاً والذي ترك كرة القدم وتفرغ للعمل كفنيّ لشبكة الاتصالات.

“لقد كان لاعباً ذكياً يتعلم بشكل سريع فنون الكرة، يحب اللعب الجماعي ويجري كل الوقت على أرضية الملعب، مرة كمدافع ومرة أخرى في وسط الميدان، لقد كان متعلقاً بالنادي أسوة بأبيه وعائلته التي تعتبر النادي جزءاً من تقاليدها” هذا ما يقوله أندرياس ثايلاكر المدرب الذي أشرف على لام عندما كان في سن الثانية عشرة ويستعد للرحيل عن النادي.

موهبة لام الفريدة جعلته محط أنظار كشافي الأندية. وتحديداً في ميونخ عاصمة ألمانيا الاقتصادية وقع لام في حيرة أمام عرضين مغريين تلقاهما من قطبي العاصمة؛ نادي البايرن عملاق ألمانيا ونادي ميونخ 1860 الغريم التقليدي في إقليم بافاريا.

كان لام يميل للعب لنادي ميونخ 1860 لكن المصادفة قادته ليعمل جامعاً للكرات في الملعب الأولمبي ليشاهد هناك البايرن عن قرب وقرّر حينها الانضمام إليه.

كان لاعباً شرساً، لا يحب أبدأ الخسارة وربما كانت هذه الصفات هي التي قادته للانتقال إلى البايرن الذي اعتاد الصعود على منصات التتويج المحلية والأوروبية، يقول أصدقاء طفولته إنه كان عنيداً في كل شيء وصاحب إصرار وعزيمة لا تقبل روح الهزيمة، حتى عندما كانوا يلعبون الورق معاً كان لام يغضب بشدة ويلقي باللوم على شريكه في اللعبة.

صبر لاعب الاحتياط

كتاب فيليب لام المعنون يصنف في ألمانيا في المرتبة الرابعة بين الكتب الأكثر قراءة

بدايات لام مع الفريق البافاري كانت ناجحة بامتياز رغم قصر قامة الفتى الأشقر التي جعلته محط سخرية دوماً، إلا أن مهارته العالية وثقته داخل المستطيل الأخضر جعلت موقعه ضمن التشكيلة الأساسية أمراً لا يقبل النقاش أو الجدال، بل نال أيضاً شارة القائد بعد أن وجد فيه مدربه آنذاك يان بينيتا صفات القائد، لام كان يعطي المدرّبين خيارات واسعة في التشكيلة، فهو لاعب يمكن الاعتماد عليك كمدافع محوري وإذا ما دعت الحاجة يمكنه أن يتقدّم إلى الأمام ويدعم خط الوسط فهو دوماً على أتم الاستعداد.

تنقل بين الفئات العمرية للبافاري إلى أن بلغ عام 2001 السن المناسب لينضم إلى الفريق الأول، وبقي حتى مطلع يوليو 2003 ضيفاً على دكة البدلاء يشارك لفترات وجيزة، فلا أحد من مدربي البافاري يمكن أن يقتنع أن الشاب قصير القامة سيكون بديلاً مناسبا للعملاقين الفرنسيين ويلي سانيول وبيكينتي ليزارازو اللذين حجزا مكانهما بقوة في خط الدفاع.

كانت المقارنة غير عادلة بين شاب لا يملك الخبرة وعملاقين رفعا كأس العالم مع الديك الفرنسي قبل سنوات قليلة. لقد كان ذلك سبباً مقنعاً ليبحث عن مستقبله بعيداً ويقدم ما في جعبته في ناد آخر، كان شتوتغارت المحطة التالية بعقد إعارة لا يقدم ضمانات كبيرة للفتى الأشقر لكنه يبدو كافياً لمن يجد في نفسه القدرة على إثبات علوّ كعبه.

الانقلاب على ليزارازو

حمل لام أمتعته وآماله متوجهاً إلى شتوتغارت، لكن توقّعاته لم تكن متناسبة مع الواقع، فهناك لم تكن المهمة سهلة في حجز مقعد أساسي بوجود لاعب مهم من أبناء النادي في مركز الظهير يدعى أندرياس إينكل، وخط الوسط كان يزخر باللاعبين المميزين. حمل لام عقدة مقاعد البدلاء معه إلى شتوتغارت إلى أن نال فرصته كاملة في الجولة السادسة أمام نادي دورتموند وقدم فيها أداءً كان برهاناً على أن مقاعد البدلاء لم تكن الخيار المناسب لمدرب شتوتغارت فيليكس ماغاث، اقتنع ماغاث بقدرات لام وبات يعتمد عليه بشكل كبير ومنحه فرصة المشاركة في دوري أبطال أوروبا، قدم حينها لام موسماً رائعاً أهّله للانضمام إلى المنتخب الألماني الأول المشارك في نهائيات الأمم الأوروبية في اليونان 2004.

إلا أن الإصابة التي تعرض لها منعته من متابعته مسيرته مع المانشافت، لكنها لم تمنعه من العودة إلى البافاري الذي كان قد طلب عدم تمديد فترة إعارته. وعبرت إدارة البافاري وقتها عن ترحيبها بعودة لام ووعدته بمكان مناسب يليق بالشاب الذي أثبت نفسه في موسمه الأخير مع شتوتغارت بعد أن حل ثانياً على قائمة أفضل اللاعبين الألمان لموسم 2003-2004.

لام حريص على لعب كرة قدم أنيقة

التحق لام بنادي البايرن نهاية موسم 2004-2005 وأجبر على البقاء خارج أسوار المستطيل الأخضر إلى أن شفي من الإصابة تماماً. ثم عاد قبل نهاية مرحلة ذهاب موسم 2005-2006 وقدم أداءً مميزاً إلى جانب ليزارازو. ولمع نجم الفتى الألماني القصير ليقلب الطاولة على الفرنسي ليزارازو الذي عرض على نادي مارسيليا على سبيل الإعارة في إعادة لسيناريو مصير لام مع اختلاف الأدوار هذه المرة، وأخيراً خلف لام الظهير الفرنسي ويلي سانيول في مركز الظهير الأيمن.

مرونة لام وقدرته على التنقل بين المراكز وإتقان دوره بدقة جعلاه دوماً كورقة الجوكر بالنسبة إلى المدربين الذين توالوا على تدريب البافاري، ووصفه بيب غوارديولا “فيليب أذكى لاعب كرة قدم عرفته في حياتي المهنية”. وبالمقابل يرى لام مدربه السابق غوارديولا المدرب الأجدر الذي مر على البافاري، رغم الانتقادات الشديدة لطريقة بيب واتهامه بتغيير بنية الفريق التي هددت الهوية الألمانية للبافاري من وجهة نظر مشجعي البايرن والنقاد الألمان.

في ذلك الموسم صعد لام إلى منصات التتويج مع البافاري لأول مرة، عندما نال معه لقب البوندسليغا، ثم تابع حضوره القوي وحقق كل ما يتمنى أن يحققه لاعب كرة قدم في ألمانيا، سبعة ألقاب بوندسليغا وكأس ألمانيا خمس مرات، كما حمل الكأس ذات الأذنين “لدوري أبطال أوروبا” وكأس السوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية في موسم واحد عام 2013، ليعلن عقب هذه المسيرة الحافلة بالإنجازات اعتزاله اللعب نهائياً مع البايرن نهاية الموسم الحالي بعد أن أحرز قبل أيام لقب البوندسليغا السابع له مع البافاري والخامس على التوالي.

يرى محللون رياضيون أن اعتزال لام في هذا التوقيت ورفضه لمنصب مدير الكرة في النادي البافاري خطوة تؤكد أنه يسعى إلى ما هو أكبر من ذلك. في إشارة منهم إلى طموحاته المستقبلية بخلافة رومينيغيه كرئيس لنادي البايرن، المنصب الذي سيصبح شاغراً بعد عامين.

وبينما نشرت إحدى الصحف الألمانية خبراً مفاده أن لام كان يرغب في طفولته أن يصبح خبازاً، فقد دعا أحد المخابز في مدينة مونستر شمال ألمانيا لام إلى شغل وظيفة ضمن المخبز تتضمن تدريباً سيتم تخفيض مدته إلى عامين لخبرة لام القيادية في كرة القدم.

النجمة الرابعة مع المانشافت

استدعي لام لتمثيل المانشافت لأول مرة في الثامن عشر من شهر فبراير 2004 أمام كرواتيا بقيادة المدرب الألماني رودي فولر بعد تألقه مع ناديه شتوتغارت. كان لام حينها يبلغ العشرين ربيعاً، وسجل أول أهدافه مع الماكينات أمام المنتخب الروماني في بوخارست ضمن تحضيرات المانشافت لخوض بطولة كأس الأمم الأوروبية في اليونان، والتي خرج فيها المنتخب الألماني مبكراً ولم يتجاوز دوري المجموعات.

غاب لام عاماً كاملاً عن التشكيلة الأساسية عقب إصابته التي تعرض لها في آخر مواسمه مع شتوتغارت، وكانت كل التوقعات تصب لمصلحة غيابه عن الماكينات في النهائيات العالمية التي استضافتها ألمانيا عام 2006. إلا أن كلينسمان خالف كل التوقعات واستدعى لام الذي افتتح التسجيل للمنتخب الألماني في الدقيقة السادسة من مباراته الأولى أمام المنتخب الكوستاريكي، وظهر فيليب بمستوى رائع ساهم خلاله دفاعيا بنيل ألمانيا المركز الثالث بعد خسارتها في نصف النهائي أمام إيطاليا وفوزها على البرتغال في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع، قدم آنذاك أداء رائعاً ولم يستبدل طوال مباريات البطولة، وحافظ على مستواه المميز أيضاً في اليورو 2008 مع المانشافت وقاده إلى النهائي بعدما سجل هدف الحسم أمام تركيا في الدقيقة الأخيرة من الشوط الثاني، الهدف الذي وصفه فيليب بالأغلى في مسيرته الكروية.

وحمل مونديال 2010 ذكرى خاصة في قلب لام بعدما تسلم شارة القيادة خلفاً لزميله مايكل بالاك المصاب ليصبح أصغر لاعب حمل شارة القيادة مع المنتخب الألماني في تاريخ كأس العالم، وسجل فيليب هدفه الشخصي الدولي الخامس والأخير في مسيرته مع المنتخب الألماني في ربع نهائي كأس الأمم الأوروبية 2012 أمام اليونان، بينما كانت اللقطة الأجمل في تاريخه عندما سلطت فلاشات الكاميرات أضواءها عليه وهو يحمل كأس العالم الذهبية بين يديه للمرة الرابعة في تاريخ المانشافت بعد غياب دام 24 عاماً عن خزائن الكرة الألمانية، الكأس التي أذلت فيها ألمانيا الكرة البرازيلية على أرضها بسباعية وقهرت طموح ميسي في النهائي الشهير الذي انتهى لمصلحة الألمان بهدف دون مقابل.

لام يحمل كثيرا من التناقضات

كتاب لام المجنون

قبيل انطلاقة بطولة اليورو 2012 أصدر لام كتابه المعنون “الفارق الطفيف” أحدث ضجة كبيرة وزوبعة من الانتقادات اللاذعة، بينما كان مدرب الماكينات الألمانية يواخيم لوف يضع كل آماله على لام ليكون خليفة بالاك ويحمل شارة القيادة التي ستحمّله الكثير من المسؤولية، لكن لام فجّر مفاجأة من العيار الثقيل بكتابه الذي تضمن انتقادات لمدربين كبار مروا على النادي البافاري والمنتخب الألماني كالأسطورتين كلينسمان ورودي فولر اللذين كانا يوماً قدوة لام في مراهقته وكانت صورتهما الكبيرة على جدران غرفته دليلا على ذلك.

إلا أن كلينسمان المدرب كان فاشلا على خلاف كلينسمان اللاعب، كتب لام “جميع اللاعبين علموا بعد نحو ثمانية أسابيع أن الأمر لن يسير بخير تحت قيادته. باقي المشوار كان للسيطرة على الأضرار، كنا نخوض فقط تدريبات لياقة تحت قيادته وكان هناك القليل للغاية من المناقشات الفنية، اللاعبون كانوا يتحدثون فيما بينهم عن كيفية خوض أي مباراة قبلها، كل ما كان يقوله في غرفة الملابس للاّعب عليك تسجيل هدف”. هذا ما تضمنته فقرة من الكتاب روى فيها الفترة التي تدرب فيها تحت قيادة كلينسمان في المنتخب الألماني، ولم يسلم رودي فولر من انتقادات فيليب عندما أشار إلى طريقة فولر الغريبة في التدريب حيث كانت تمتد الحصة التدريبية ساعة واحدة فقط ثم يعود اللاعبون إلى غرفهم للعب البلاي ستيشين، كما طالت انتقادات لام المدرب الهولندي لويس فان غال والألماني ماغاث أثناء فترة توليهما تدريب البايرن.

لقد كان سلوكاً غريباً من لام فتحه عليه سيلاً من الانتقادات في الوقت الذي كان الجميع ينتظر منه الكثير من الانضباط وهو يحمل شارة الكابتن، وهو ما دعا يواخيم لوف إلى استدعائه للتحقيق معه في الاتحاد الألماني لكرة القدم، بينما دافع المدير الفني للمنتخب الألماني أوليفر بيرهوف عن أحقية لام في قول ما يريد تحت بند حرية التعبير، غير أن فولر لم ير ذلك فوصف كلمات فيليب بالبغيضة، بينما اتهمه ماغاث بأن يريد إثارة ضجة حول كتابه ليجني الكثير من المال، ربما كان ذلك صحيحاً فالكتاب حلّ رابعاً في سجل الكتب الأكثر قراءة في ألمانيا.

14