فيليب لي: الشرق الأوسط في بداية طريق مليء بالحروب الدينية

يتطلع فيليب لي، عضو مجلس العموم البريطاني ونائب رئيس مجلس الشرق الأوسط التابع لحزب المحافظين الحاكم، إلى تغيير رئيس الولايات المتحدة الذي رفض التدخل العسكري في سوريا عندما انطلقت الانتفاضة عام 2011، لأن التدخل حسب حوار لي مع “العرب”، في الوقت المناسب كان ليؤخر اندلاع حريق الحروب الدينية التي تشهدها المنطقة، والتي يراها لي وكثيرون آخرون "خطوة واحدة فقط في رحلة طويلة مليئة بالصراعات على إرادة الله".
الجمعة 2016/04/29
سيكون على المسلمين السير على خطى الأوروبيين حتى يتمكنوا مثلهم من العيش معا

لندن- “يعلمنا التاريخ أن التغيير في هذه المجتمعات يأخذ وقتا”. كان فيليب لي، عضو مجلس العموم البريطاني ونائب رئيس مجلس الشرق الأوسط التابع لحزب المحافظين الحاكم، جزءا من كل هذا الوقت الذي بدأ بالفعل تغييرا أجهض الغاية الأساسية منه، لكنه أدخل المنطقة في مخاض عنيف نحو تغيير أوسع كثيرا.

وانطلقت عملية إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط مع اندلاع الثورات العربية التي كانت بداية فقط. وتمر المنطقة اليوم بمرحلة الفوضى التي تعقب البداية، لكنها مرحلة لا تعدو أن تكون خطوة دموية واحدة على طريق رحلة أطول.

ومنذ احتجاجات عام 2011، أخذ لي وزملاؤه في مجلس العموم يترقبون بانتظام تحوّل الاحتجاجات السورية إلى حرب أهلية طاحنة، ويرقبون مع ذلك صعود نجم الطائفية من سمة محلية في العراق أو لبنان، إلى صيغة جديدة تحكم المنطقة بأسرها.

ولا يتذكر لي أن منطقة الشرق الأوسط، التي زار بلدانا عدة فيها حين كان لا يزال طالبا يدرس الطب في الكلية الملكية البريطانية في لندن، تشبه ما هي عليه اليوم. ويؤمن لي أنه خلال عقد من الآن سيكون هناك شرق أوسط جديد لا يشبه ذلك الذي كانت تتحكم مقتضياته في الأحداث قبل عام 2011. وبات مؤكدا أن الصراع العربي الإسرائيلي الذي حدد ملامح الشرق الأوسط القديم، لن يحدد معادلات التوازن والقوى في الشرق الأوسط الجديد.

وفي جلسة استماع عقدت بمجلس العموم في مارس 2011 قبل انطلاق الاحتجاجات السورية بعشرة أيام فقط، أطلق لي مقولته الشهيرة “سوريا التالية، ماذا يتعين علينا فعله؟”. بنى فيليب لي استنتاجه الحاذق وقتها على زيارتين إلى دمشق كان قد قام بإحداهما أيام حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد عام 1998، والأخرى قبل اشتعال الاحتجاجات مباشرة.

بعد مرور 1500 عام على ميلاد المسيح شهدت المسيحية موجة إصلاح دموية ، وبعد مرور 1500 عام تقريبا على ميلاد النبي محمد يعيش الإسلام الشيء نفسه

يقول لي، الذي كان جالسا على مقعد وثير في مقهى البرلمان، بينما يحيط به مساعده مايك، الجندي السابق الذي شارك في حربي أفغانستان والعراق، ومساعدة أخرى “كانت سوريا دولة. كنت تستطيع أن تسير في شوارع دمشق لترى نوعا من احترام القانون والنظام والانضباط، رغم الطابع العسكري للبلد الذي لم تكن لتخطئه أبدا”.

لكن بعد مرور اثني عشر عاما كان لي مجبرا على تغيير هذه النظرة عندما شاهد “عصابات الشبيحة تتحكم في كل شيء، بينما غابت الدولة وتركت لها مهمة الأمن والتعامل العنيف مع السوريين”.

شعر لي وسياسيون آخرون اصطحبهم في الوفد إلى دمشق بـ”حنق بالغ في عيون السوريين، وأدركنا حينها أن شيئا ضخما على وشك الحدوث”. وعندما وقع ما كان يتخوف منه كان هناك أمل جامح في الغرب في أن الدول العربية التي شهدت احتجاجات ستتحول على نطاق واسع إلى دول علمانية ديمقراطية بين ليلة وضحاها.

وقال لي باسما “أعتقد أن ذلك انضوى على كثير من السذاجة، ليس لشيء سوى أننا واقعيا من رسم هذه الحدود بين دول الشرق الأوسط من دون أن تكون عاكسة فعليا للشعور بالهوية الوطنية الموحدة، والانتماء. لذلك ما نراه اليوم هو انهيار بطيء ومؤلم لهذا النظام الذي أقمناه”.

لم يكن للعراق أو سوريا أن تظهرا على الخريطة من دون تدخل قوى أجنبية، على رأسها بريطانيا وفرنسا، قبل نحو مئة عام. ونتج عن ذلك صعود حزب البعث الذي كان في جوهره ردة فعل لمقاومة خطط الاستعمار. ويعتقد كثيرون اليوم أنه لم يعد هناك أمل في أن أيّا من الدولتين سيكون لهما مستقبل داخل حدودهما التي نعرفها.

ومع ذلك كان للمنطقة فضل كبير على لي، إذ قابل زوجته مصادفة في مطار بيروت بينما كان عائدا من أستراليا خلال رحلته التي قام بها وهو طالب إلى المنطقة، ثم شرعا معا في جولة برية موسعة شملت بيروت وبعلبك وطرابلس في لبنان، وحلب وحمص وحماة وتدمر ودمشق ودرعا في سوريا، ثم العاصمة الأردنية عمان قبل أن يعبرا إلى القدس، ويعبرا معها إلى مرحلة جديدة وطويلة من حياتهما سيقضونها معا.

انهيار بطيء ومؤلم

عصابات الشبيحة تتحكم في كل شيء

أدرك لي حينها الدور العميق للدين الذي يشكّل حياة العرب ويصوغ طريقة تعاطيهم مع تحدياتهم اليومية. ويعتقد مؤرخون كثر أن الصراعات الأساسية في المنطقة التي كانت تدور بشكل أساسي في السابق حول ملكية الأرض، سيحتدم أغلبها في المستقبل حول رؤى دينية متضاربة. وتحولت “القومية الدينية” والمخاض العنيف داخل صفوف الإسلام السياسي إلى قوى محورية ضمن إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.

ويعتقد لي اليوم أن المنطقة تعيش “معادلة إصلاح ديني يجري تجميع عناصرها، وهي مرحلة كان على كل الأديان الأخرى المرور بها. بعد مرور 1500 عام على ميلاد السيد المسيح شهدت المسيحية هذه الموجة الدموية والعنيفة باتجاه الإصلاح، واليوم بعد مرور 1500 عام تقريبا على ميلاد النبي محمد يشهد الإسلام نفس التفاعل الذي يأتي في صورة انقسام عنيف”.

وقال “أعتقد أنه ليس سهلا أن تتمّ إدارة هذا الانقسام بشكل سلمي هادئ، رغم محاولات السياسيين اليوم فعل ذلك، لأن مخاوفهم من أن يمتدّ هذا الصراع إلى خارج الحدود السورية ليطال دولا أخرى في المنطقة تتحكم في سلوكهم كثيرا”.

ودول الخليج في بؤرة الدول التي يحيطها لي وسياسيون غربيون آخرون بمخاوفهم من أن تمتدّ إليها ألسنة اللهب المنبثقة من صراع طائفي بالأساس. ويشعر الغرب عميقا بارتفاع حرارة هذه المخاوف شيئا فشيئا في الخليج الذي يقاوم بشراسة تغذية إيران لطائفية الصراع الحاسم الذي بدأ فعليا في العراق قبل أكثر من 13 عاما.

وعلى رأس دول الخليج، السعودية التي تعتمد في حكمها على التفسير المحافظ للإسلام. وكان عدد كبير من المنضمين إلى تنظيمات متشددة ترتبط بالقاعدة أو داعش من السعوديين. ويدرك المسؤولون السعوديون تهديدات أمنية مروّعة بات التغيير هو أنسب علاج لها.

ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1932 تعلّم الأمراء السعوديون الشباب أن يتجنّبوا أي محاولات لتغيير المجتمع. وساعدت الثروات النفطية الأمراء كثيرا على شراء الوقت من أجل تجنب الاصطدام بضرورات التغيير.

لكن مع تراجع أسعار النفط منذ صيف عام 2014 وانحسار الاحتياطي النقدي وعجز الميزانية الذي وصل إلى 100 مليار دولار العام الماضي، يشعر المسؤولون السعوديون أنهم باتوا في مواجهة لحظة الحقيقة.

وأثمر هذا الشعور، إلى جانب التقارب غير المسبوق بين الغرب وإيران، عن إعلان ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هذا الأسبوع عن رؤية شاملة لتغيير اقتصادي واجتماعي واسع أطلق عليه “رؤية السعودية 2030”.

ويقول لي “عدت للتوّ من زيارة شملت عدة دول خليجية، وأعتقد أن مخاوف المسؤولين هناك تجاه إيران محقة للغاية”. وأضاف “الغرب يواجه الآن تساؤلا كبيرا: إذا كانت إيران تمرّ بعملية إصلاح، فهل ندعم هذه العملية أم نحاول إشعال ثورة على النظام تطيح بحكم رجال الدين هناك؟ أعتقد أن المجتمع الدولي توصّل إلى ضرورة دعم إصلاح ليبرالي في إيران”.

ربما تحتاج المنطقة الى إعادة رسم الحدود، أو حتى قيام دول جديدة، إلى أن تتمكن من الوصول إلى تسوية تاريخية

لكن أغلب دول الخليج لا تشعر بالارتياح إزاء ذلك التوجه. ويقول لي “وقفوا أمام هذا القرار وقالوا: انتظروا قليلا، تعالوا وعيشوا معنا وشاهدوا بأعينكم ما يتعين علينا التعامل معه كل يوم. هذا صراع ديني محتدم يجب أن يتمّ إنهاؤه من الداخل”.

حرب المئة عام

لا يبدو أن الصراع الديني، الذي يراه لي داخليا، قد وصل ذروته بعد. في عام 2012 أصدر مجلس الاستخبارات القومي الأميركي تقريرا قال فيه إن ما أسماه “مرحلة الإرهاب الإسلامي” في تصاعد، وإنه قد يتراجع إلى أن ينتهي بحلول عام 2030.

واليوم يبدو التقرير متفائلا كثيرا، إذ مازال تنظيم داعش يعكف على تدريب جيل جديد من الجهاديين الذين سيموت الكثير منهم في أرض المعركة، لكن آخرين سيعودون إلى بلدانهم في تونس أو ليبيا أو السعودية أو بريطانيا أو الولايات المتحدة أو أيّ من الدول الـ90 الأخرى التي يُعتقد على نطاق واسع أنهم انحدروا منها.

وعلى عكس القاعدة، يتبع تنظيم داعش أساليب تدريب مغايرة لكل ما اعتاد الجهاديون عليه سابقا. ويدرب القاعدة مقاتليه على تنفيذ أعمال إرهابية، لكن تدريب داعش ينحصر في خوض معارك عسكرية كبيرة.

ويؤمن لي أن داعش لم يكن ليحظى بكل هذا الاهتمام والرواج إذا كانت قوى الاعتدال في المنطقة مازالت قادرة على الترويج لأيّ اعتدال. ويقول “مازلنا نتطلع إلى مصر، التي تحظى بالنصيب الأكبر من التاريخ العميق وسجل عريض من العلمانية والاعتدال الديني كي تتحمل مسؤوليتها التاريخية في قيادة الخروج من هذا المستنقع”.

وأضاف “من الممكن للأردن أيضا أن يسهم في ذلك، نظرا للدور الحساس الذي يقوم به، وقدراته مقارنة بالعدد الهائل من اللاجئين السوريين الذين يحتضنهم وعدد السكان الضئيل. هل يمكنك تخيل هذا يحدث هنا؟”.

تنظيم داعش مازال يعكف على تدريب جيل جديد من الجهاديين

وتختصر الحرب السورية كل تعقيدات المنطقة. وبينما كان اللاجئون السوريون يستعدون لدخول شتاء قارس (2013) في معسكرات غير آدمية في دول مجاورة، ردد وزير الخارجية الأميركي جون كيري كثيرا أن “العالم لا يمكنه الجلوس جانبا هو يشاهد الأبرياء يموتون”. لكن العالم أمكنه (في وقت إجراء هذا الحوار) ومازال بإمكانه الجلوس جانبا وهو يشاهدهم يموتون بنيران النظام والمعارضة، أو غرقا في البحر بحثا عن فرصة للنجاة.

وكثيرا ما يقول دبلوماسيون غربيون في الغرف المغلقة كل ما يمتنع قادتهم عن قوله في العلن. وقال لي دبلوماسي في لندن “كان بإمكان كيري ورئيسه دعم فصائل المعارضة المعتدلة حقا في ربيع عام 2012، عندما كان لا يزال ممكنا إحداث فارق كبير في المعادلة”.

وقال فيليب لي بثقة “التدخل العسكري الغربي في بلدان بعينها في المنطقة قادم لا محالة، ليس لديّ أي أوهام إزاء ذلك، وستلعب بريطانيا دورها المتوقع منها”. وأضاف “لقد صوّتُ في مجلس العموم عام 2013 ضد ضرب سوريا، وبعدها بعامين صوّتُ لصالح استهداف مواقع تنظيم داعش هناك”.

وبعد هجوم دموي واسع استخدمت فيه أسلحة كيميائية وقد راح ضحيته 1400 شخص في غوطة دمشق عام 2013، تراجع أوباما عن توجيه ضربة عسكرية إلى نظام الرئيس بشار الأسد الذي تمكن من دهس خط أحمر كان أوباما قد رسمه في الصراع السوري، دون تلقي أي عقاب.

ويقول لي “أتطلع إلى رحيل رئيس الولايات المتحدة لأن الكثير منا دعا إلى تدخل عسكري في سوريا عندما انطلقت الانتفاضة عام 2011. التدخل في الوقت المناسب كان سيسهل علينا الأمور كثيرا ويساعد على فرض الاستقرار في البلاد. كل هذا لم يحدث لأن ظلال غزو العراق عام 2003 كانت تخيم على صناعة القرار في واشنطن”.

على عكس القاعدة، يتبع تنظيم داعش أساليب تدريب مغايرة لكل ما اعتاد الجهاديون عليه سابقا

وقاد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن الولايات المتحدة إلى غزو العراق من دون خطة. وحافظ الرئيس أوباما على الولايات المتحدة خارج سوريا من دون خطة أيضا. وقال الدبلوماسي في لندن “عدم التحرك ليس سلبية، بل هو خيار تتخذ على أساسه قرارات تكون لها تبعات جدية”.

ويقول فيليب لي “الحل في المنطقة يكمن في قدرتك على أن تختار الأشخاص الأنسب وتضعهم معا في غرفة مغلقة وتجري نقاشا شفافا. سيكون علينا تقديم تنازلات، ربما تصل إلى إعادة رسم الحدود، أو حتى قيام دول جديدة، إلى أن نتمكن من الوصول إلى تسوية تشبه نفس التسوية التي توصلت إليها أوروبا بعد صراعات دموية كبيرة. كان هناك حينها حنق بالغ تجاه مسألة تغيير الحدود، لكن كان هناك أيضا تفهم أوسع لضرورة تقبل العيش معا. لا أعتقد أننا قريبون حتى من تحقيق ذلك في الشرق الأوسط”.

وأضاف “ستطرح الأسئلة الحتمية: ماذا يجب علينا فعله تجاه هذا الصراع الديني، ماذا سيتعين علينا فعله أيضا تجاه هذه الحدود التي أنشأها الاستعمار قبل مئة عام؟ ماذا سيتعين علينا فعله إزاء هذا التوازن في القوى بين إيران والسعودية ومصر؟ هل نحتاج إلى ما يشبه «اتحاد أوروبي جديد» في منطقة الشرق الأوسط يضمّ بين صفوفه أعضاء قادرين على التحدث معا قبل أن يشرعوا في إطلاق النار على بعضهم البعض؟ ووسط كل هذا، ما الذي سنقوم به حقا تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ علينا العثور على أجوبة لكل هذه الأسئلة، وأعتقد أنها ستظهر في لحظة ما قريبا. دعْنا نرَ ما ستكون عليه المنطقة خلال العشر سنوات المقبلة”.

كاتب مصري مقيم بلندن

12