فيليب هاموند وزير الخارجية البريطاني المختلف عن الأوروبيين

السبت 2014/07/26
فيليب هاموند يريد استعادة التاج

“الليلة أقدم استقالتي كوزير للخارجية بعد أربع سنوات من تولي هذا المنصب لأصبح زعيم مجلس العموم” بهذه الكلمات غادر وليام هيغ وزير الخارجية البريطاني بعد مشاركته في حروب السنوات الماضية العسكرية منها والسياسية، وليقرر كاميرون رئيس الحكومة تكليف وزير الدفاع فيليب هاموند بحقيبة هيغ (الخارجية البريطانية) ولتبدأ مرحلة جديدة من التعامل مع الصراعات الدولية في ساحت مختلفة، الشرق الأوسط وأوروبا والنأي البريطاني بالنفس عن التورط مع الاتحاد الأوروبي في مشكلاته السكانية والاقتصادية.

فيليب هاموند الذي اختار أن يقف موقف النقد من الاتحاد الأوروبي ومؤسساته التي يراها بلا جدوى، ويعتبرها مضيعة للوقت والجهد، ترك وزارة الدفاع لمايكل فالون، والتفت إلى الشأن الدبلوماسي، في مرحلة يواجه فيه التاج البريطاني تحولات العالم تزامناً مع التحولات الأميركية وما يعرف بانحسار نفوذ واشنطن على خارطة المصالح العالمية، وصعود المحاور المتشكلة في الضفة المقابلة حيث آسيا والروس والصينيون والإيرانيون المتشابكة مع حزمة دول البريكس اللاتينية المتبقية.

ولد هاموند في العام 1955 في إسكيس، ودرس الفلسفة والعلوم السياسية والاقتصاد في أكسفورد، منتقلاً إلى العمل التجاري في إدارة المشاريع الطبية والبنوك، ومع حفاظه على علاقته مع حزبه المحافظين، برز في الثمانينات كرجل أعمال يتنقل هنا وهناك من أميركا اللاتينية إلى ملاوي في إفريقيا حيث عمل مستشاراً للحكومة فيها، ليعود إلى بريطانيا بعد أن جولته التي أكسبته الكثير من الخبرات والكثير من المال أيضاً، منخرطاً في الانتخابات النيابية، ويصبح نائباً عن رونيميد ويبيردج في العام 1977.


سحر حكومة الظل


كثيراً ما يسحر العمل في الخلفية كثيرين، ممن يتمتعون بعقل نقدي قادر على رؤية الخلل في الأداء، فيبرعون في التحوّل إلى قوى خلفية تدعم الحكومات والزعماء، من بين هؤلاء كان هاموند، وزيراً في حكومة الظل البريطانية المعارضة لحقيبتي العمل والمعاشات في العام 2005 ووزيراً للخزانة بعد عامين.

ومع فوز المحافظين في الانتخابات البرلمانية في العام 2010، انتقل هاموند للعمل في الموقع الذي طال انتقاده له، بعد ان اختاره رئيس الحكومة كاميرون وزيراً للنقل وعضواً في مجلس المملكة الخاص، ولم يمض عامٌ حتى استقال وزير الدفاع ليام فوكس بعد فضيحة الانتفاع من المنصب، ليحلّ هاموند محلّه وزيراً للدفاع، مع بدء التحولات في فضاء النفوذ البريطاني القديم وذاك الأميركي المتراجع في الشرق الأوسط.

معرفة هاموند بالكيفية التي تدار بها الأمور في موسكو، جعلته يسدد سهامه مباشرة ضد الرئيس بوتين حين أعلن أن بريطانيا ترغب في أن تتحمل دائرة المقريبن من الرئيس الروسي ضغط عقوبات جديدة


الوزير التاجر


قرّر هاموند بالإضافة لدفاعه عن البيئة خلال سنواته في المجلس النيابي، أن يسمح للمرأة بالعمل في الغواصات البريطانية وسمح بصعود النساء على الغواصات ذات الطراز فانجارد في العام 2013، على أن يستكمل الانتشار بالتساوي مع الرجل خلال العامين التاليين، الأمر الذي سيتيح فرص عملٍ كثيرة تكسر احتكار الرجال وتوفّر من أجور وتعويضات العاملين فيها، وعرف عن هاموند حنكته في إدارة الملفات المالية، خصوصاً بعد الحرب ضد نظام القذافي في ليبيا، ثم في ملف الوظائف العسكرية التي قرّر وزير الدفاع هاموند تخفيضها لسد عجز بقيمة 38 مليار جينه في ميزانية الدفاع، أطلق عليه اسم “الثقب الأسود” وقد برّر هاموند بالقول: ” ليس أمام حكومتنا من خيار سوى خفض حجم القوات المسلحة وإعادة تكوينها للتأكد من أنها لا تزال رشيقة، قابلة للتكيف وفعالة، نحن نواصل مع عمليات تحفيض الوظائف مع ضمان الحفاظ على قدرات قواتنا المسلحة لمواجهة تحديات المستقبل” ، وأشيع عن هاموند أنه سينشر ثقافة جديدة للدفاع من خلال توليه الوزارة، فشرع بتسريح جميع الرتب العسكرية مما تحت عميد وعقيد بحري وجوي، ونقلت عنه الاندبندنت قوله إن وزارة الدفاع عليها أن تعمل بعقلية القطاع الخاص، الأمر الذي طبقه في دورة الألعاب الأولمبية في العام 2012 حين تعاون مع G4Sوزودها بخمسة آلاف عسكري لتغطية النقص في التغطية الأمنية، وأفيد أن التجربة كانت ناجحة جداً.


مشروع هاموند لمغادرة الاتحاد الأوروبي


لم يتوقف هاموند عن التشكيك بفائدة الاتحاد الأوروبي، واعتبر مشاركة بريطانيا فيه نوع من العبث، ووعد بأنه سيصوّت لصالح قرار الانسحاب من الاتحاد، وقال إن بريطانيا لن تتمكن من الحصول على “صفقة” لإصلاح الاتحاد، ولذلك فإن مغادرتها هي الحل الأفضل.

يبدو هاموند مختلفاً تماماً عن العقل الأوروبي، فهو لم ير أن البنوك وقروضها كانت السبب في الأزمة العالمية، بل إنه طالب بعدم إلقاء اللائمة على البنوك لأنه أقرضت أناساً بالغين راشدين مسؤولين عن تصرفاتهم، ويعتقد أن السبب يكمن في المجتمعات التي انتقدها طويلاً وعبّر عن سخطه من قيم غريبة سادت فيها مثل “المثلية الجنسية” التي يراها مثيرة للجدل وأن هذا الشكل من العلاقات لا يختلف عن الزنى وسفاح القربى، ورفض التصويت لصالح قانون يسمح بزواج المثليين.


الالتزام بمحاربة الدكتاتورية


أكّد هاموند أن بريطانيا ملتزمة تماماً بالقضاء على بشار الأسد ونظامه في سوريا، وأنها لن تسمح لعصر الدكتاتورية بالاستمرار، وقال:” من غير الواقعي نهائيًا الحديث عن بقاء الأسد بالسلطة كسبيل لوضع نهاية للصراع، وبينما أنه يدعي النصر، فإن وحشية وعدم شرعية نظامه يتضحان من البراميل المتفجرة والقصف الجوي والاعتداءات بالأسلحة الكيميائية ضد مدنيين أبرياء، إن نظام الأسد مصدر للإرهاب في سوريا، وليس حلاً له”.

واعتبر هاموند أن حسم الصراع في سوريا ضد الأسد والإرهاب سيصب في صالح المملكة المتحدة والمنطقة والأمن العالمي، لأن الأسد على حد تعبيره وسوريا الحالية باتت تشكّل تهديداً مباشراً للعالم، وأضاف : “لهذا السبب، فإن حكومتنا ملتزمة بالسعي إلى حل سياسي، ولهذا السبب نواصل دعم وتقوية المعارضة المعتدلة التي لديها رؤية تعددية وديموقراطية لمستقبل سوريا”.

أكد هاموند أن بريطانيا ملتزمة تماماً بالقضاء على بشار الأسد ونظامه في سوريا، وأنها لن تسمح لعصر الدكتاتورية بالاستمرار


حرب الوزير الجديد ضد روسيا


كانت ذراع وزارة خارجية لندن ملوية بعض الشيء، بسبب التغلل الروسي في التجارة الداخلية البريطانية، وامتلاك كبار رجال المافيا والمتمولين الروس لمشاريع عملاقة في العمق، ولكن هاموند بمجيئه إلى الخارجية حاملاً معه العقل الاقتصادي الذي عرف به، يبدو أنه سيطلق تلك الذراع، ويحرر إمكانية فرض العقوبات على روسيا، فقد كشف هاموند عن فرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب دورها في اسقاط الطائرة الماليزية في شرق أوكرانيا، وقال ان العقوبات تفرض على روسيا “كإدانة قوية” لدورها بعد الكارثة التي خلفت 298 قتيلا.

وقال هاموند بعد اجتماع ضمّه مع مسؤولين أوربيين في بروكسل: “اتفقنا على اقتراحات ملموسة لوضع قوائم بأسماء أشخاص إضافية تخضع لعقوبات والقيام بذلك خلال اليومين المقبلين، ننظر أيضا في مجموعة من العقوبات أكثر قوة، بما في ذلك فرض حظر على الأسلحة، والوصول إلى أسواق رأس المال، والخدمات المالية والمنتجات التكنولوجية ، بما في ذلك قطاع الطاقة”.

ولمعرفة هاموند بالكيفية التي تدار بها الأمور في موسكو، فقد سدّد سهامه مباشرة ضد الرئيس بوتين حين قال:” إن بريطانيا ترغب في أن تتحمل دائرة المقريبن من الرئيس الروسي ضغط العقوبات الجديدة.

فإذا تأثرت المصالح المالية للمجموعة حول القيادة الروسية، فان هذه القيادة ستعلم ذلك، نحن نبحث في الأفراد الذين يساهمون بطريقة أو بأخرى، في النظام في الكرملين وتدخله في أوكرانيا والقرم ، أو الذين استفادوا من قرارات وإجراءات هذا النظام.”


بريطانيا العظمى وإعادة التموضع


لا يمض عقد من الزمن دون أن تشهد خارطة الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس انحساراً إضافياً أو أزمة هنا أو هناك، وكان دور السياسيين من بعد ثاتشر التي حاربت من أجل ما تبقى من سمعة الإمبراطورية في الفوكلاند، الاستمرار وتمضية الوقت، حتى أخذت صورة العرش البريطاني تبدو كمن يلوذ بالسياسة الأميركية سيما بعد تون يبلير والحرب على العراق، ولكن الذهنية التي يحملها هاموند، والتي صعدت به خطواته تلكتشير إلى ظهور ثقافة جديدة بالفعل، نحو صناعة الدور البريطاني من جديد، ولا شكّ أن هذا المشروع أقرب للمستحيل، في ظل الضغوطات المالية والسياسية والمحاور المتشكلة في العالم قديمها وجديدها، والتي تجعل من اختطاط لندن لنفسها طريقاً خاصاً أمراً غاية في الصعوبةولكن ارتخاء القبضة الأميركية على العالم، سيرافقه بالتأكيد تشنجات كثيرة في مواضع مختلفة من العالم، بدأت أولاها في روسيا وأوكرانيا والقرم وسوريا، وقد تظهر في مناطق وبؤر أخرى من العالم، وباتت إعادة الحسابات ضرورة في دفاتر الوزير التاجر الذي خبر الدفاع والخزانة والمعاشات واليوم وزارة الخارجية بيت العلاقات البريطانية مع العالم.

12