فيل أزرق في مشفى الأمراض العصبية

الأحد 2014/08/17
فيلم ارتقى إلى مستوى الرواية

لندن- تمثل روايات الروائي المصري الشاب أحمد مراد ( ولد في مصر 1979) نمطا جديدا في الرواية العربية، فهي من النوع الذي يمكن تصنيفه على أنه روايات إثارة وغموض وجريمة متسلسلة، ورغم الإقبال الكبير من المتلقي العربي على هذا النمط كأعمال مترجمة من الرواية الأوروبية والأميركية إلا أننا لم نشهد كتابته عربيا إلا بشكل محدود.

بدأ أحمد مراد كتابة روايته الأولى “فيرتيجو” في شتاء عام 2007، ونُشِرت في نفس العام عن دار “ميريت”، قبل أن تُترجم للّغة الإنكليزية وتصدر عن دار “بلومزبيري” وهي نفس الدار التي نشرت سلسلة أعمال هاري بوتر الشهيرة، وقد كانت النسخة الإنكليزية من “فيرتيجو” على قائمة الروايات الأعلى مبيعا على موقع أمازون، ثم ترجمت للإيطالية وصدرت عن دار “مارسيليو”، والفرنسية صدرت عن دار “فلاماريون”. ثم تحولت الرواية إلى مسلسل تليفزيوني في رمضان من عام 2012 بعنوان “فيرتيجو” بطولة هند صبري، ونالت الرواية جائزة “البحر الأبيض المتوسط للثقافة” لعام 2013 من إيطاليا.

في فبراير 2010 أصدر مراد روايته الثانية بعنوان “تراب الماس” وتُرجمت للإيطالية عن دار “مارسيليو”، ويستعد لتقديمها في فيلم سينمائي. وفي أكتوبر 2012 صدرت روايته الثالثة “الفيل الأزرق” والتي نالت المركز الأول في مبيعات الكتب بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2013 ثم وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2014، وقد تم تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي بعنوان “الفيل الأزرق” .


الفيل الأزرق رواية


تقوم رواية الفيل الأزرق على ثيمة الصراع النفسي القائم على صراع الشخصيات الرئيسة في العمل، نمط من الصراع الداخلي المبني على أسباب مرضية أولا ومع إقدارها التي فرضت عليها ثانيا، في محاولة من كل شخصية من شخصيات العمل للوصول إلى السلام والاستقرار النفسي.

تقوم رواية الفيل الازرق على ثيمة الصراع النفسي المرضي الناظم للصراع بين الشخصيات الرئيسة في العمل

وقد اعتمد المؤلف على عمليات بحث وتقصّ في عالم العلاج النفسي والعصبي وكذلك بحث في الجانب القانوني والاجتماعي والتاريخي الذي يربط بين الجريمة والسبب المرضي العقلي والخلفيات الاجتماعية والتاريخية للقوى الماورائية التي تتحكم في مصائر الأفراد في المنعطفات الحرجة من تقلبات حياتهم، ويدور المشهد الروائي على خلفية مستشفى العباسية للأمراض النفسية والعصبية في القاهرة إذ يعمل بطل الرواية (دكتور يحيى راشد) في هذا المستشفى ويتابع حالة مريض في القسم الخاص بالمجرمين المشكوك في مرضهم الذي هو في الأصل طبيب نفساني (دكتور شريف الكردي) كان زميلا له في الدراسة، لتتداخل عوالم السرد بين الحلم والحقيقة وغيبوبة المخدر في أجواء فنتازية بامتياز، وربما أخذ بعض النقاد على العمل حواراته التي كتبت بالعامية المصرية المليئة بالكلمات الإنكليزية، وهي لهجة النخبة في المجتمع المصري اليوم، وكذلك يمكن الإشارة إلى أن الرواية ابتدأت متكئة على فرشة من المعلومات الطبية العلمية الرصينة للتحرك في نهايتها في عوالم من السحر والتعاويذ والرقى في جو يقترب من الواقعية السحرية المستند إلى حوادث من القرن التاسع عشر كانت قد ذكرت في تاريخ الجبرتي وقام المؤلف بتوظيفها وتظفيرها ببنية السرد الواقعية.


الفيل الأزرق فيلما


يمكن أن نصف فيلم الفيل الأزرق الذي قام بكتابة السيناريو والحوار وشارك في تصويره المؤلف أحمد مراد ، ويجب أن نلفت الانتباه هنا إلى نقطة مهمة، إذ أن أحمد مراد خريج المعهد العالي للسينما فرع التصوير السينمائي، وتخرّج عام 2001 بترتيب الأول على القسم، ونالت أفلام تخرّجه “الهائمون-الثلاث ورقات- في اليوم السابع” جوائز للأفلام القصيرة في مهرجانات بإنكلترا وفرنسا وأوكرانيا. ولذلك نجد أن أعمال أحمد مراد الروائية فيها الكثير من استثمار تقنيات السينما في السرد الروائي أو نستطيع القول إنه يكتب الرواية وعينه على إمكانية تحويلها إلى فيلم فنجد أنها أعمال طيعة قابلة للتحويل من لغة الرواية إلى لغة الكاميرا، إذ أن عمله الأول “فيرتيجو” قد تحول إلى مسلسل تلفزيوني وعمله الثاني “تراب الماس” مشروع فيلم لم ينجز إلى حد الآن وكذلك الفيل الأزرق الذي تحول إلى فيلم سينما وكان من بين الشخصيات التي شكرها المؤلف في نهاية الرواية المخرج الشاب مروان حامد الذي قام بإخراج الفيلم.

أحمد مراد: لغط كثير طال روايته

الفيلم يصنف كفيلم إثارة وغموض فيه تحد كبير من الناحية الإخراجية بسبب خصوصية عوالم التحرك الدرامي بين الحلم والواقع تارة وبين الواقع وغيبوبة المخدر أو عوالم هلوسة المريض تارة أخرى، عوالم تتحرك في جو من اللامعقول وسحرية الرؤية البصرية، كل ذلك دفع المخرج مروان حامد إلى الاتكاء على الكرافيك واستخدام تقنيات الكومبيوتر في تصوير مشاهد جاءت ثرية بصريا وأغنت العمل فنيا ولم تحل دون إمساكه بالخيط الدرامي الواقعي الذي جاء ممتعا وفق سياق الحدوتة الأصلية للقصة، فيلم فيه أجواء غرائبية مثلت تجديدا في السينما المصرية ودفعت بالفيلم ليكون في مقدمة شباك التذاكر في أسبوعه الأول للعرض، وقد تقاسم أدوار البطولة نجوم شباك متميزون هم كريم عبدالعزيز في دور الدكتور يحيى راشد وخالد الصاوي في دور الدكتور شريف الكردي وهو من أصعب الأدوار المركبة التي أجاد خالد الصاوي تمثيله، ونيللي كريم في دور لبنى الكردي.


عمل مختلف


ولا بد من أن نشير إلى أن الكثير من اللغط قد نال الرواية قبل مدة حول اتهام الكاتب أحمد مراد بأنه قد سرق فكرة العمل من فيلم أميركي هو (The Tattooist- 2007 ) على أساس أن الثيمة الأساسية لهذا الفيلم الغرائبي هو القوة السحرية لوشم رسم على جسد البطل والبطلة، إلا أن من يقرأ الرواية ويشاهد فيلم الفيل الأزرق والفيلم الأميركي سيجد أن ثيمة سحرية الوشم موجدة في الفيل الأزرق إلا أن الاشتغال عليها جاء مختلفا كليا عن الفيلم الأميركي.

وأخيرا أقول إن من يقرأ رواية الفيل الأزرق ويشاهد فيلم الفيل الأزرق سيجد الأمانة في تحويل الرواية إلى فيلم وهي من الحالات القليلة في هكذا تحويل نتيجة خصوصية المؤلف التي أشرنا إليها سابقا والذي قدم لنا عملا جديرا بالقراءة والمشاهدة في آن واحد.

13