"فيل الوالي" في السودان

الخميس 2014/05/15

عانيت أشد المعاناة كي أكتب هذا المقال واحترت من أين أبدأ وبمن؟ هل أبدأ بفساد عمر البشير وزوجته وأشقائه؟ أم بعلي عثمان ومجموعة الأقطـان؟ هل أكتب عـن فساد والي الخرطوم السابق، أم الحالي؟ هل أبدأ بوالي سنار أم بوالي القضارف؟ هل أكتب عن غندور أم عن أمين حسن عمر؟

لكل مقال أزمة كما قال الصحفي الكبير «مصطفى أمين»، ولكنني اعترف أن هذا المقال تجاوز حد الأزمة لأن الفساد في بلادنا تجاوز حد كونه ظاهرة حتى صار مبـدأ. وهنا يكمن أس البلاء والشقاء.

ظللت في حيرتي هذه حتى توكلت في نهاية الأمر وقررت أن أحسم أمرها على الطريقة الفارسية، وللإيرانيين طريقة عجيبة ولطيفة في حسم الأمور المتشابهات، تُسمى بـ(فال حافظ) نسبة إلى شاعرهم الكبير حافظ الشيرازي، حيث يقوم الشخص (المُحتار)- مثلي- بفتح عشوائي لصفحة من ديوان الشيرازي، ثم يقرأ أول بيت شعر في الصفحـة التي اختـارها، ومـا يتحدث عنه بيت الشعر يكون هو فأله وحظه في ذلك اليوم.

وعلى تلك الطريقة حسمت أمري، حيث كتبت على (غوغل): “فساد السلطة الحاكمة في السودان” ثم توكلت ونقرت، فاختار لي أول خمسة مواضيع، كانت كلها تتحدث عن فضيحة عبدالرحمن الخضر (والي الخرطوم).

حمدت الله على خيار الكتابة عن فساد وفضيحة «الخضر» لما فيها من ترويح للنفـس ومتعة تكسر الكآبة والملل، وذلك لما تضمنته من كوميديا مصاحبة تجعل أسنانك تصطك ثم تسقط من الضحك، وبالطبع لن يكون آخر فصول الكوميديا ذلك الإعلان الصحفي الشهير «المبرئ للذمة» من رفقاء الوالي إلى صلاة الصبح، الذي شهدوا فيه أن “والينا” يحضر إلى المسجد قبل أن يتبين لرعيته الخيط الأبيض من الأسود، ولا يغادره مهرولا بل يقف يحادث الناس ويتبسط مع الجميع! بسط الله والينا (الحرامي) المتبسط. (آمين).

لكن ولكي تعم حالة الانبساط هذه، دعونا نسبق رفقاء الوالي إلى صلاتي المغرب والعشاء حتى لا يخرجوا إلينا بإعلان آخر، ونذكرهم بوالٍ (من السلف) ألا وهو «الحجاج بن يوسف الثقفي» الذي لم يكن يرتاد صلاة الصبح وحسب، بل كان مرابطا بصحن المسجد كل الأوقات يجلس بين جهابذة علماء القرآن والحديث والفقه والسيرة من الصحابة والتابعين أمثال أنس بن مالك، وعبدالله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وحسن أولئك رفيقا حتى حفظ القران كله، وأصبح عالما بالقرآن والحديث لا يشق له غبار ولا يغيم له نهار، ومع ذلك لم يردعه ذلك، فقطع آلاف الرؤوس المعارضة، وأزهق مثلها من الأرواح البريئة.

تحكي رواية الكاتب البوسني الكبير “إيفو اندريتش” الموسومة بـ(فيل الوالي)، والتي دلني عليها كاتبي المفضل الساخر الكبير «بلال فضل»، عن بلدة بوسنية اختبرت أشكالا وألوانا من ظلم الولاة، لكنها تحصنت بالصبر والاحتمال، حتى تولى أمرها والٍ جديد سبقته إليهـا سمعته السيئة.

ولما وصلها صحبة فيله، اعتبر سكان البلدة الفيل هواية غريبة لواليهم الجديد، ولم يظنوا رغم خبرتهم الكبيرة في التعامل مع الطغاة أن (الفيل) ليس إلاّ وسيلة قمع جديدة منه، فكان الفيل يسير يوميا في شـوارع البلدة يعيث فسـادا وتكسيرا وتحطيمـا وينشر الفزع في نفوس أهل البلدة، ولا يجرؤ أحـد على زجر (فيل الوالي).

الحاكم المغتر بقوته لم يدرك أن ما ظنه وسيلة لفرض مظاهر الطاعة تحول إلى وسيلة لصناعة الكراهية، فقد قرر أهل البلدة أن يعلنوا تمردهم بعد أن (طفح الكيل) بالوالي والفيل، فاجتمعوا وخططوا لقتل الفيل، وفجأة تحول الناس البسطاء المسالمون الذين لم يفكروا من قبل في العنف إلى خبراء في التخطيط للشر، فشرعوا في فكرة تسميم (الفيل)، لكن قبل أن ينفذوا الفكرة هبطت عليهم عدالة السماء بأن قرر الحاكم عزل الوالي فمات الأخير كمدا جراء صدمته، ولم يلبث أن لحق به (فيله) فسقط ميتا هو الآخر.

الكارثة، أن المصيبة التي حاقت ببلادنا ليس لها مثيل في كل القصص والروايات، ولم يخطر على بال أعظم روائي في العالم أن يكتب مثلها، مصيبتنا تفوق العبقرية والخيال ويجل عنها الوصف، فهي غير محصـورة في الوالي ولا في فيلته المتخصصة في هدم وتكسير الأسواق ومطاردة الفقراء، بل في الحاكم الفاسد نفسه، وفي أسرته وعشيرته وبطانته وقضائه ووكلاء نياباته، ووزراته وفي كل أركان حكمه.

لذلك ما لم تتوحد الجهود لإسقاط هذا الحاكم الفاسد ونظامه، فإن أية محاولة لتسميم (فيل الوالي) أو عزل صاحبه، لا تعدو أكثر من كونها إطالة لأمد الفساد والمفسدين، فلا تضيعوا جهودكم في تفاهات عبدالرحمن الخضر وفيلته الصغيرة وهيا نتخلص من عمر البشير.


كاتب وصحفي سوداني

9