فيما يرى نيتشه

هذا الذي يفسر اليوم استشعار الفرس الأحقية في الوصاية على الآخرين، وبأنهم الذين التقطوا الفتى اللاعب على حبل الاستبداد، فاحتضنوه حُبّا وتقربًا إلى الله وإلى أهل البيت، كما يفسر استخدام الروس للنار الإغريقية في سوريا!
الأحد 2020/02/23
الهجوم على مقهيين دليل على العنصرية الجامحة في المجتمع الألماني

اهتم الفيلسوف والملحن والشاعر الألماني فريدريخ نيتشه، بالتفكير الفلسفي الإغريقي القديم، وكان الرافد الأساسي لثقافته، وعلى مسطرته ظل يقيس كل الأشياء والظواهر، واستخلص قبل أن يموت مجنوناً بالسكتة الدماغية، أنه يعيش عصر انحطاط، على الرغم من التقدم الحاصل في العلوم والاختراعات. وفي الحقيقة جاءت الحروب والصراعات بعد وفاته، لتبرهن على حقيقة ما قاله عن تردي العلاقات الإنسانية إلى الحضيض وانتشار مظاهر الكراهية.

ركز نيتشه على ما كتبه الحكيم الفارسي الذي انتشرت تعاليمه وكانت إحدى الديانات الأرضية في إيران وآسيا الوسطى، في المرحلة التي سبقت مباشرة رسالة الإسلام. كتب: “هكذا تحدث زرادشت” فقال إن ذلك الرجل، نزل من الجبل، حيث كان محرابه، ودعا الناس إلى ما سمّاه “الإنسان الأعلى”، وقال نيتشه في وصف ذلك “الإنسان الأعلى” بأنه القوي وثاقب التفكير، وعميق القناعة بالتميز والسمو، والمحارب الذكي، والشجاع الذي يحب المخاطرة!

يقبض نيتشه من زرادشت روايته ويسترجعها: التقى الحكيم بعجوز يصلي ويدعو الله فاستغرب وقال لنفسه: “أيعقل أن هذا الرجل العجوز لم يعلم أن الله مات وأن جميع الآلهة ماتت؟!”. يواجه زرادشت في البداية صعوبة في جذب الناس إلى دعوته حيث يتلهون عنه بمراقبة رجل يلعب على حبل عالٍ، لكن ذلك الرجل عندما وقع، التقطه زرادشت بين يديه، وخاطبه قائلاً: “إنني أحبك وأفضلك على الجميع، لأنك عشت حياتك في خطر ورجولة”!

اشتق نيتشه من تعاليم زرادشت محددات النزعة الأوروبية التي تولي الفرد أهمية كبيرة، وتعتبر أن المجتمع موجود لكي يستولد أفراداً مميزين وأبطالاً وعباقرة. لكن الفيلسوف الألماني الشارح، زاد واستند إلى ما قاله زرادشت، بتكريس التمييز بين الشعوب، وركز على ما اعتبره فضل الشعب الألماني على شعوب كل القارة الأوروبية، مع الاعتراف بأن الروس يتسمون بالمقدرة والجبروت، وبأن الإنجليز هم أحط الشعوب، وهذا ما جعلهم ينتجون الديمقراطية من موقع العجز الإنساني، إذ تمثل الديمقراطية حال الافتقار إلى البطولة. كما اعترف بأن الفرنسيين أصحاب أجمل الثقافات، وأن الطليان كبشر، يتسمون بالجمال والعنف!

ربما هذا الذي يفسر اليوم، العنصرية الجامحة في ثنايا المجتمع الألماني، وآخر تعبيراتها الهجوم على مقهيين للأجانب في بلادهم، كما يفسر استشعار الفرس الأحقية في الوصاية على الآخرين، وبأنهم الذين التقطوا الفتى اللاعب على حبل الاستبداد، فاحتضنوه حُبّا وتقربًا إلى الله وإلى أهل البيت، كما يفسر استخدام الروس للنار الإغريقية في سوريا!

بخلاف ذلك، كان نيتشه غليظاً مع المرأة مستعلياً عليها، ويراها نصف البشرية الضعيف، الذي يحتاج إلى ديانة خاصة، تقدس الضعفاء، وتحوّل القوي إلى راضخ هزيل!

24