فينوس تتحول إلى راقصة شرقية عند فنانة مصرية

التشكيلية المصرية غادة عبدالملك ترقص أحيانا على الأشواك، وتروّض الوحوش وتستأنس الجراد، تفتح لها الأبواب بالحيلة وتتغلّب على الصعاب.
الأربعاء 2018/03/28
أنوثة متمردة

القاهرة – تظهر المرأة في لوحات التشكيلية المصرية غادة عبدالملك كامرأة نموذجية تمتلك جميع المقومات الأنثوية، جسد ممشوق وشعر منساب وتفاصيل جمالية مثالية تذكرنا بفينوس أيقونة الجمال الأنثوي وإلهة الحب والخصوبة عند الرومان.

وكما استخدمت فينوس مفاتنها لتحقيق مآربها تسير فينوس الشرقية على نفس الدرب في لوحات غادة عبدالملك المعروضة حاليا في قاعة “ضي للفنون” بالعاصمة المصرية القاهرة.

فينوس عبدالملك ترقص أحيانا على الأشواك، وتروّض الوحوش وتستأنس الجراد، تفتح لها الأبواب بالحيلة وتتغلّب على الصعاب رغم ضعفها الظاهري وتركيبتها الأنثوية الناعمة. وترسمها الفنانة في أكثر من لوحة وهي تقف في مواجهة الثور في تحد وكبرياء، الثور هنا يمثل الرجل، كما يمثل كل التحديات التي تقف في طريقها، لكنها تتمايل أمامه تارة، وتتحدّاه تارة أخرى فلا يجد سبيلا أمام هذه القوة الناعمة التي تمتلكها سوى الرضوخ والاستسلام لمفاتنها والتطلع إلى رقصها وغوايتها.

وتقول عبدالملك “المرأة هي أيقونة الحياة وحاملة أسرار البقاء، هي  تحتفي بقدرتها رقصا، تقف بشجاعتها وحيدة أمام محاولات التهميش والتجريف والعزل أو حتى الاختراق، تواجه العالم تارة بمرونتها وتارة أخرى بالتحدي الصريح، ولا مانع من التجاهل أحيانا، فكل ما يعنيها أن تكون ذاتها، رغم يقينها أن سوء العواقب غالبا من نصيبها، لكنها تتجاهل الإيقاع السائد وتتّبع لحنها الواثق، هي فعل الكينونة المعبر عن الخير والحياة”.

الرقص الشرقي هو إحدى السمات المرتبطة بالمرأة في عالمنا العربي، لذا فقد التقطت الفنانة المصرية غادة عبدالملك تلك الميزة لتقدّم لنا فكرتها المعبرة عن المرأة، ففي معرضها الذي تستضيفه قاعة “ضي للفنون” في القاهرة حتى العاشر من أبريل القادم تحت عنوان “فيرب تو بي” تعرض عبدالملك أكثر من ثلاثين لوحة تصويرية معبرة عن المرأة والتحديات التي تواجهها في حياتها

وعن أعمالها المعروضة يقول الناقد المصري ياسر سلطان في كلمته التي تضمنتها بطاقة الدعوة “إن هذا التمثيل المنساب للآداء الراقص يمثل حالة فنية شائقة وشائكة في آن، فرغم جمالياته البصرية إلاّ أنه ينطوي على قدر من الصعوبة، ويحتاج إلى درجة من التمكن في الأداء، فلا يقدم عليه إلاّ فنانا ممتلكا لأدواته، وإلاّ تحوّلت الحركة إلى صياغات جامدة لا تشي بتلك الطاقة التي ينطوي عليها فعل الرقص”.

ويسترسل “لقد تناول فنانون كثر موضوع الرقص في أعمالهم، لعل أشهرهم في مصر الأخوين سيف وأدهم وانلي، كما تعرّض له العديد من الفنانين الغربيين، يمكننا أن نذكر من بينهم تولوز لوتريك على سبيل المثال، غير أن معظم هذه التجارب التي تناولت الرقص كانت تسجيلا لمشاهدات وتمثيلا للحركة، ما يميز أعمال غادة عبدالملك هو توظيفها لفعل الرقص كرمزية أنثوية تلخّص رغبة المرأة في التخلّص من القيد وكسر الحواجز، أو هو الإيمان بالقدرة على الفعل والثورة في مواجهة الجميع”.

وتدعو الفنانة غادة عبدالملك المتأمل لأعمالها، كما تقول “إلى المشاركة والإحساس بتلك المشاعر التي تشعر بها بطلات اللوحات، من ترقب وانتظار وقلق وبهجة وأمل وتوحّد واندماج وحنين إلى الماضي.. فجميعها لحظات مفعمة بالمشاعر الإنسانية، هذه المشاعر التي تبقى من رحلة الحياة بكل ما فيها، هي مجرد لحظات تشكّلنا وتميّزنا وتدفعنا لرسم مستقبلنا وحياتنا، هي أعمال تفيض بالدفء والحنين والمشاعر الإنسانية”، وهو ما انعكس على اختياراتها اللونية التي أضفت على أعمالها شيئا من الحلم والرومانسية.

وتضيف “لقد اتخذت هنا من اللحظة محورا لمعظم الأعمال المعروضة، إذ حاولت الإمساك بعدد من اللحظات ذات الصبغة الإنسانية العالية التي يكون فيها التركيز على المشاعر الداخلية في أفضل حالاته، على اختلاف هذه اللحظات الإنسانية وتباينها، من فرح وأمل وحزن وغيرها من اللحظات الإنسانية العذبة التي يكون فيها الصمت عادة هو سيد الموقف”.

وتسترسل “هذه اللحظات الإنسانية وكيفية التعبير عنها تختلف من شخص إلى آخر، فتعبيري عن السعادة أو الحزن أو الحنين يختلف عن غيري بالطبع، لذا أعتقد أن طريقة تعبيرنا عن اللحظات الإنسانية هي ما يشكّل ملامح الشخصية لدينا، وهو الذي يرسم رؤيتنا الخاصة تجاه الآخرين، ويقودنا إلى اتخاذ مواقف ويدفعنا إلى إقامة علاقات مع من هم أقرب إلينا، من أجل هذا لم أهتم برصد التفاصيل الخاصة لملامح الأشخاص داخل اللوحات بقدر ما انصب اهتمامي أولا وأخيرا بالحالة الخاصة لكل منهم”.

غادة عبدالملك حريصة على مراعاة الأصول الكلاسيكية لفن التصوير في أعمالها، من حيث النسب والظل والنور

والتشكيلية المصرية غادة عبدالملك حريصة على مراعاة الأصول الكلاسيكية لفن التصوير في أعمالها، من حيث النسب والظل والنور وطريقتها في استخدام الخامات أيضا، وهي تدافع عن هذا التوجه قائلة “أنا أتمسك هنا بالأكاديمية لأني مؤمنة بهذا، ولا تعجبني الكثير من التوجهات السائدة على الساحة الفنية المصرية والدولية أيضا، فالأمر تحوّل إلى ما يشبه الموضة أو الصيحة الجديدة التي تجذب الانتباه دون أن تكون مبنية على أسس أو إيمان بما يقدّم، وهناك سبب آخر لتمسكي بالأصول الأكاديمية في أعمالي، حيث أعتبر أن الطريقة الأكاديمية في التعامل مع العمل تضمن له عمرا أطول عن تلك الأعمال التي لا تراعي تلك الأصول، وذلك لإيماني بأن الفن رسالة مستمرة يجب أن نعمل على الحفاظ عليها وليس مجرد رؤية آنية تنتهي بانتهاء العرض”.

16