فينوس ورحلتها من الإلهة يت إلى فتاة الإعلانات

السبت 2016/02/20
رموز الحضارات تحت عباءة المرشد والسوق المفتوحة

ستراسبورغ - “كانت تماثيل عشتار، أول عمل فني تشكيلي صاغه الإنسان على شاكلته، مجسدة أول معبوداته. كانت عشتار – الأم الكبرى له إلهاً، وطفق يصنع لها تماثيل انتشرت من أقاصي سيبيريا إلى شواطئ المحيط الأطلسي. لم تكن الأعمال الفنية نتاج ولع فني جمالي بمقدار ما كانت حسا دينيا، وخبرة أولى مع العنصر الإلهي” هكذا بدأ الباحث المعروف فراس السواح تفكيك ما أطلق عليه لغز عشتار، التي استحالت مع الأيام وتداول الحضارات إلى أفروديت عند اليونانيين، ومن ثم انقلبت فينوس عند الرومان، فاختلطت الأساطير الدينية بالجنسية. فهل انتهت أسطورة فينوس الحاملة لميراث عشتار العابرة بإنانا وأفروديت؟

هبوط الأطياف من السماء

“من الأعلى العظيم تاقت إلى الأسفل العظيم

من الأعلى العظيم تاقت إنانا إلى الأسفل العظيم

هجرت سيدتي السماء، وتركت الأرض

إنانا هجرت السماء والأرض

إلى العالم الأسفل قد هبطت”.

هذه السطور افتتاحية نص الأسطورة السومرية “هبوط إنانا إلى العالم الأسفل”، وهي تروي هبوط الإلهة السومرية إنانا إلى العالم السفلي أي عالم الموتى. ولكن الوصف السالف الرامز للهبوط، ينساق اليوم على رمز فينوس، فقد سقط عنها رمز الآلهة، وحتى سقط عنها رمز المرأة، وسقط عنها رمز الحب، باتت اليوم فينوس وقريناتها رموزا للجنس والفسوق والمجون.

هذا لا ينفي عن فينوس الأسطورة مغامراتها المجنونة في الحب. لكن فينوس اليوم كرمز، أي الجسد الفينوسي الممتلئ بالمفاتن، بات أشبه بإعلان طرقي مرة لترويج معجون الأسنان وأخرى لثياب داخلية زاهية ومرات بلا سبب واضح هكذا لمجرد أنه جسد مثير عامر بالمفاتن.

فينوس حكاية إلهية لا غبار عليها ولها ميراثها وعمقها اللاواعي في العقل البشري عموما، ولكن التأريخ لهذه الإلهة اتخذ جانبا أبرز مفاتنها كأنثى فقط لا غير، مهملا فينوس الأم المولودة من أفروديت التي ولدت من زبد محارة على أحد شواطئ فلسطين فسميت ابنة البحر، ومتناسيا المصدر الأقدم “عشتار” الأم المنجبة التي تزوجت من “تموز” فأنجبت الخصب والخير، وتاركا ما أطلق عليه الكاتب والباحث الليبي إبراهيم الكوني، الإلهة “يت” الأم الأكبر لمجمع الآلهة في العالم البشري على حد تعبيره، “يت” أو بدقة متناهية “ت” هي رمز البقرة المكتشفة في واحات ليبيا في الصحراء الكبرى التي وَلدت الكون من رحمها ومازالت رسومها في تلك الكهوف حاملة نجوم الكون على بطنها تنير السماء.

استحال حرف التاء رمز الإلهة الأم، عشتار وأفروديت ومن ثم غاب في فينوس ومع غيابه اختفى المعنى الأُمومي للربة الأنثى، وحضر معها الترميز للإثارة والفتنة والمجون، وهذا ربما حال النحت والتماثيل التي رمزت لهذه الربة مع مرور الزمن، فرسم البقرة كان رمز “يت”، ومن ثم نحت أقرب لأنثى شديدة السمنة بصدر عامر وواسع وردفين ضخمين ورحم يحمل الخير الكثير، تغيب فيه الملامح البشرية، رمزا لعشتار.

الموناليزا المرأة الأيقونة تظهر في الصورة بالشادور بعد موجة استنكار كبيرة لإخفاء فينوس الأم في صندوق أثناء زيارة الرئيس الإيراني روحاني إلى إيطاليا

ومع التطور بات التمثال يزداد جمالا وإثارة، فأصبحت تماثيل عشتار – أفروديت بهية الطلة جميلة الحوض ومنحوتة الجسد، ومع فينوس، أبدع النحات فيها فأخرج ثنيات الكتف والخصر والأرداف والجسد الشهي الممشوق العامر بالفتنة، فأصبحت الربة فينوس مصدر إلهام النساء في تلك العصور فكل أنثى شهية تتشبه بفينوس، وحمل الشعر اسم الإلهة كنعت للنساء الفاتنات، مع بعض المجون أي الفاتنة الباحثة عن المتعة والحب.

ربما كان هذا السبب الأصيل الذي دفع الحكومة الإيطالية لتحجب تمثال فينوس عن عيون الرئيس الإيراني حسن روحاني في زيارته الأخيرة، فأغرقت إدارة المتحف الايطالية تمثال “فينوس الكابيتول” بعتمة صندوق خشبي، والتمثال العائد للقرن الرابع قبل الميلاد، طوله 193 سم، وهو بحجم أكبر من الطبيعي قليلا، عثر عليه قرب كنسية سان فيتالي حوال عام 1666 أو عام 1670 ومن ثم ضمه لمجموعة الكابيتول البابا بندكتور الرابع عشر عام 1752، ويعتبر من أشهر التماثيل في المتحف الذي يضم مجموعة واسعة من المنحوتات، وهو تمثال يدل على آلهة فينوس – أفروديت الخارجة من الحمام عارية، تميل إلى الأمام وذراعها مرفوعة، لتظهر منحنيات الجسد، ويد تغطي الصدر والأخرى الفرج، والساق اليمنى متقدمة واليسرى تستريح.

بالطبع لا يمكن فهم التصرف الإيطالي إلا بكونه استسلاما للاستثمارات الإيرانية التي بلغت حوالي 18 مليار دولار. الإيطاليون أحاطوا فينوس بصندوق الخشب لأجل المال، وغالبية البشرية عرّتها لأجل المال، فليس ببعيد كان عيد الحب وفيه تنفجر مشاعر البشرية في معظم المعمورة، وتنتشر الورود الحمراء والدببة وتزين الشوارع وكأن الحب ينتظر يوماً ليولد في كل عام، وفي هذا اليوم كغيره من المناسبات التجارية تنشر الإعلانات في كل وسائل الإبصار الممكنة على الطرقات وعلى شاشات التلفاز والسينما والإنترنت وكل مكان، وتستحيل فينوس – عشتار – أفروديت، أنثى عامرة بالفتنة ببنطال الجينز الأميركي وشعر أشقر طويل أم قصير لا يهم، متبرجة كعادة كليوبترا، مبرزة ما أمكن من مفاتنها الأنثوية وشهوانيتها المبالغ فيها لتسوّق كل شيء، بداية من معجون الأسنان إلى السيارات الفارهة.

الحرب ضد الأم

التجارة المعلنة اليوم بجسد الأنثى ليست إلا استمرارا لاواعيا للحرب ضد الإلهة الأم التي كانت والدة لحورس، إيزيس التي قاتلت لأجل ابنها الذي قتلها في النهاية عبر عبيده. واستمر الصراع إلى اليوم فبات اسم الإلهة المصرية الأم رمزاً للشيطان بعد أن دخلت عليها بعض التعديلات اللغوية، فهي “ست” التي ولدت منها كلمة “شط” بالعربية والتي منها أنتجت كلمة شيطان، وهي ذاتها “س ت” التي ولدت كلمة “ساتان” بالإنكليزية.

الهدف واحد بشكل لا واعٍ، ألا وهو الحرب على الأنثى لكونها سر الوجود والخلق غير المفهوم، ورغم التطور العلمي وإدراك البشرية للكثير من الحقائق العلمية حول الإنسان والفوارق بين الذكر والأنثى، إلا أن جسد الأنثى مازال إلى اليوم جواز مرورها في الكثير من المجتمعات المتخلفة والمتحضرة على حد سواء، في حين بقيت الأنثى سيدة القبيلة والعشيرة الطارقية القديمة في الوسط الأفريقي، ومازالت هي سيدة البيت وليس ببعيد كانت جدتي وربما جداتكم سيدات منازلهن وأسرهن، ينجبن ويعملن ويربين ويقررن والرجال عليهم السمع والطاعة، وتمتاز نساء الريف بالذات، على أقل تقدير بعض أرياف سوريا، بحكمة الحياة والمعيشة، أي ما كانت تسميه جدتي “حسن التدبير” وبرزن في حسن الإدارة المالية والأسرية.

لكن عشتار التي تعني إلهة كل شيء، لم تتجلّ بعد طول الزمن إلا برموز الجسد والجنس، وهذا لا يعني أن الأخيرين لا أهمية لهما، ولكنها رمزت إلى الخصب والإنجاب والزراعة والحب والعطاء والقدرة على الولادة والتكاثر وحفظ النسل، فلماذا غاب عن فينوس اليوم ذات البنطال الأزرق، كل ما سبق من حكمة الحياة؟ وهل هو غاب أم غُيّب؟ أسئلة كثيرة لا جواب عليها بمقال؟ فجدتي عشتار بابل لا فينوس الإعلانات الرخيصة.

التجارة المعلنة بجسد الأنثى ليست إلا استمرارا لاواعيا للحرب ضد الإلهة

التحول الأسطوري

“يت” هي البقرة الحاملة للكون في رحمها، رمزها “يت”، ولم تصبح الربة “يت” رديفا للأنوثة بالمعنى وحسب، ولكن ارتباطها بالمبدأ الأنثوية هو الذي حفر في متون اللغة رمزها حتى صار هذا الرمز علامة على التأنيث في كل كلمة من كلمات اللغة البدئية، بل في كل كلمة من كلمات اللغات الشقيقة المنبثقة عن المصرية والسومرية واللغات السامية الأخرى، بحسب تعبير الكوني.

“عِشتار” هي إلهة الحب والخصب والحرب عند شعوب المشرق العربي القديم، عُبِدَتْ في سوريا ومصر وبلاد الرافدين، وتفيد كلمة عشتار في الأكادية معنى الآلهة عامةً، وهي مأخوذة من اسم الإلهة السورية عطَّار، أما اسم عشتار في البابلية فيعني عيش الأرض.

تعود جذور عبادة هذه الآلهة إلى السومريين الذين عاشوا في جنوبي بلاد الرافدين. وكانت تسمى عندهم إنانا ملكة السماء، وكان مركز عبادتها مدينة الوركاء السومرية على ضفة نهر الفرات، وكان لها معبد في كل مدينة سومرية أو أكادية كبيرة، وخرجت عبادتها خارج حدود بابل إلى كل مدينة من مدن الدولة الآشورية، وعُبِدَت في المستعمرات الفينيقية في غربي البحر المتوسط، وسميت أفروديت عند الإغريق.

“أفروديت” – “فينوس” هي ربة الحب والخصب والجمال عند اليونان القدماء، وكانت تماثل فينوس الربة القديمة في إيطاليا، وقد أُدمجت عبادة الاثنتين عند الرومان منذ القرن الثاني قبل الميلاد بعد اجتياح الرومان للعالم الهليني، كما اندمجت صفات أفروديت بصفات فينوس واختلطت أساطير الواحدة بأساطير الأخرى.

عُبدت أفروديت في عالم البحر المتوسط، وعدت مصدراً لكل إبداع في العالم، وتفسر الألقاب التي أطلقت عليها أهميتها في الاعتقادات اليونانية ومدى انتشار عبادتها، ومن بين الرموز التي أطلقت عليها اليمام، والرمان، والإوز، والآس، ومثل اليونان القدماء أفروديت على صورة آلهة الشرق عارية، أو على صورة إمرأة منتصبة أو جالسة شبيهة بالآلهة الأخرى.

فينوس اليوم تلبس الجينز وتستعمل عصا السيلفي، وتتجول بالتنانير القصيرة، وتخترق العالم. لكن القداسة التي كانت تصبغها، ما تزال تلاحقها، وإن اتخذت أشكالاً أخرى. فالتعق بها هو هو. في الإعلان وفي شاشة السينما والفنون.

15