فيينا.. الحلقة المفقودة بين محاربة داعش وإحلال السلام في سوريا

السبت 2015/11/28
ملف الأزمة السورية يراوح مكانه

واشنطن - في تصريح له، خلال لقاء جمعه بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في 17 من نوفمبر، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري “أسابيع تفصلنا عن إمكانية حدوث تحول كبير في سوريا. توصلنا إلى اتفاق مشترك حول المبادئ وأسسنا مفهوما للتفاوض بوجود إيران وروسيا على الطاولة، وهو أمر فريد من نوعه يحصل في السنوات الأربع والنصف الماضية”، لكن الأمل في أن إضافة فحوى حقيقية للجدول المتفق عليه في فيينا لإنهاء الحرب الأهلية السورية يبدو تسديدة بعيدة حتى بالنسبة إلى رجل من طراز جون كيري، وفق قراءة مجموعة الشرق الاستشارية لتطوّرات الملف السوري على وقع لقاء فيينا.

اجتمع دبلوماسيون من سبعة عشر بلدا في فيينا في 14 نوفمبر واتفقوا على جدول زمني لمسار سياسي في سوريا. وحسب الخطة يلتقي كل من الحكومة والمعارضة السوريتين في محادثات برعاية الأمم المتحدة يعتزم أن تبدأ في الأول من يناير. وستهدف المحادثات إلى رسم مسار آخر لكتابة دستور جديد في ظرف ستة أشهر ثم تنظيم انتخابات، وستدعو الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار وسيدخل حيز التنفيذ في بداية المسار.

والفحص المدقق للبيان النهائي الصادر عن فيينا-2 يكشف أنه لا يعدو أن يكون إعادة صياغة لبيان جينيف-1 الصادر في سنة 2012. والإضافة الوحيدة هي الجدول الزمني المبين بوضوح في فيينا، فهل يمكن لإضافة جدول زمني واضح لجينيف-1 أن تصنع الفارق؟ أم هل هناك شيء نفتقده؟

تجيب على هذا التساؤل مجموعة الشرق الاستشارية، التي تهتم بشأن المنطقة العربية ومركزها واشنطن، موضّحة أن ما يسميه كيري “مفهوما” للمفاوضات مع إيران وروسيا قد يكون إشارة للطريقة التي قسم بها الدبلوماسي المتمكن كعكة التنازلات بين مختلف الأطراف.

وتقول المجموعة، التي سبق ونشرت وثائق سرية لوزارة الخارجية الأميركية تتعلق بعديد القضايا في الشرق الأوسط وخصوصا العلاقات الأميركية مع الإخوان وأسرار “الربيع العربي”، إن التبادل سار حسب الخطوط التالية:

* ستقوم المملكة العربية السعودية بفرز المعارضة بطريقة أقل إثارة للخلافات ما أمكن بالتنسيق مع مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا وواشنطن والدوحة وأنقرة.

* تم الضغط على العرب والأتراك لتطبيق وقف مبكر لإطلاق النار عوضا عن موقفهم السابق المتمثل في استحالة وقف إطلاق النار قبل معرفة النتيجة النهائية للمسار وهل حقق فعلا أهداف المعارضة.

* تم الضغط على روسيا وإيران لإسقاط شرط توليهما اختيار من يمثل المعارضة.

* تم كذلك زحزحة روسيا وإيران عن موقفهما السابق بأن وقف إطلاق النار المقترح لا يبدأ بالضرورة مباشرة عند بداية المسار بل في نقطة ما قريبة من ذلك.

غارات فرنسية وروسية على شمال سوريا

* بلغت كل من روسيا وايران بأنه يجب النظر إلى خرق وقف إطلاق النار، في صورة حدوثه، بطريقة مرنة. وتم الاتفاق على أنه إن صار خرق وقف إطلاق النار من قبل كتيبة معينة تحمل راية تنظيم ما يشارك في المحادثات، فهذا لا يؤدي بصفة آلية إلى طلب طرد كامل التنظيم من المسار الدبلوماسي. وذلك لأن المعارضة السورية ليست جيشا نظاميا.

* وافقت روسيا على القيام بدور الضامن لأي التزامات يقدمها بشار الأسد.

بعد سرد هذه النقاط، تعلق مجموعة الشرق الاستشارية قائلة إن المسار برمته انتقل من حالة كونه أجزاء وقطع متناثرة إلى إطار محدد نسبيا، لكن هذا لا يعني الكثير في حد ذاته، إذ تتوقف نتيجة فيينا بالأساس على الخطوات العملية التي ستتخذ بعد تأجيل الاجتماع، وستبين هذه الخطوات ما إذا كان من الممكن نحت حل من الأجزاء والقطع المتوفرة. في هذا السياق هناك نقطتان جديرتان بالدرس: دور الأسد في الفترة الانتقالية الممتدة 18 شهرا، والتنافس الإقليمي.

في ما يتعلق بالنقطة الأولى المتمثلة في دور الأسد، يشير التحليل الاستخباراتي إلى أنه بالنسبة إلى بوتين وطهران، “الأسد هو الممثل عن الدولة السورية ذات الشرعية الدولية، حتى ولو كان ذلك شكليا فقط”. ولا يمكن لأي قوة دولية أو إقليمية أن تضمن لهاتين القوتين حضورا في سوريا في المستقبل إذا غادر الأسد، وحتى وإن قدمت مثل هذه الضمانات من الصعب تصور اعتبار موسكو وطهران بأنهما مطمئنتان بما يكفي لإحداث تغييرات جذرية في سياستهما فيما يخص سوريا. وسيبقى السؤال في أذهان الإيرانيين والروس: انتقالية إلى متى؟

النقطة الثانية المتعلقة بالقوة الإقليمية تمثل مكونا حقيقيا من مكونات الأزمة، حيث يتضح أن بيت القصيد لا يتمثل فقط في إيجاد أرضية “سورية” مشتركة لكن أيضا أرضية إقليمية. وحسب الوضع الراهن، يبدو ذلك صعبا جدا على الرغم من تفاؤل كيري. فمن الواضح أن السلام في سوريا سيستغرق تحقيقه وقتا، لكن الشيء الذي يجب ألا يستغرق وقتا هو محاربة داعش. والآن كيف يمكن الجمع بين المتطلبين؟ وبعبارة أخرى، هل من الممكن عمليا سكب ماء بارد على خطوط المعارك التابعة لمعارضة النظام، وفي الوقت ذاته سكب ماء ساخن على مواقع داعش؟

الجواب عن هذه التسؤلات متضمن في بيان فيينا-2 ولو بشكل ضمني نوعا ما. وبالتالي، يقول تقرير المجموعة الأميركية إنه يجب النظر إلى هذا المسار على مستويين مختلفين: الأول يتمثل في البيان ككل، والمستوى الثاني عن طريق تقسيمه إلى مسلكين: ما يحدث حول طاولة المفاوضات، وما يحدث على الأرض. وفي حين سيواجه المسار الدبلوماسي دون أدنى شك التقلبات المعهودة في المسارات المماثلة، يجب تسيير الأحداث على الأرض في اتجاه توجيه كل الأسلحة ضد داعش في حين تتواصل المحادثات في اتجاهها المرسوم.

ويتخيل التقرير ما يمكن أن يحدث في الأول من يناير، فيقول: ستجتمع الوفود حول طاولة دي ميستورا مع كل الأطراف المعنية، وسترد الأخبار عن مباريات من الصراخ وساعات طويلة من الأخذ والرد حول كل جزئية صغيرة. وستحدث من حين لآخر ثورات غضب تؤدي إلى خروج بعض الأطراف ثم عودتهم بعد تسليط الضغوط. وباختصار يتوقع أن تحدث الأشياء العادية المعروفة في المنتديات المماثلة.

لكن ما يهم فعلا هو ما يحدث على الميدان، والسؤال المحوري هو كيفية دفع ما يحدث على أرض الميدان نحو هدف واحد: داعش في الوقت الذي تأخذ المفاوضات مسارها؟

إذا اتفقت كل الأطراف المتحاربة عدم محاربة بعضها البعض فسيحاربون داعش معا. وسيحدث ذلك بشكل عفوي تقريبا إذ يمكن التعويل على غباء داعش المؤكد للتسبب في حدوث ذلك الأمر حتى وإن حاولت المعارضة تجنبه. وهذا لن يساعد فقط على زيادة القدرة على محاربة هذا التنظيم الإرهابي بل يمكن أيضا أن يساعد على تخفيض التوتر في نادي دي ميستورا وعلى أرضية الميدان أيضا.

ويختم التقرير داعيا جون كيري إلى أن يبقى متأهبا طول الوقت؛ مشيرة إلى أن الفترة الانتقالية في سوريا الممتدة على 18 شهرا ستتواصل إلى ما بعد نهاية الإدارة الأميركية الحالية، وبالتالي قد يكون من الجدير التفكير في تعيين كيري مبعوثا رئاسيا خاصا لسوريا بعد نهاية فتره في رئاسة وزارة الخارجية الأميركية. وربما لن يكون ذلك خبرا سارا لجون كيري المتعب، لكن إنقاذ سوريا والمساعدة في القضاء على الجيش الهمجي المسمى داعش أمران يستحقان العناء. وفي النهاية قد يؤمّن كيري لنفسه مكانا في التاريخ وفي سجلات جائزة نوبل للسلام.

7