فيينا وهجمات باريس تباعدان بين الأسد وموسكو

السبت 2015/11/21

مع ارتفاع حصيلة ضحايا هجمات تنظيم داعش على العاصمة الفرنسية باريس لتكون الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية في أوروبا، استفاق العالم على صدمة القوة الاستثنائية والانتشار السريع لتنظيم داعش بصورة لم يعرفها أي من التنظيمات الإرهابية على مر التاريخ الحديث.

ويعود جزء كبير من الفضل في ذلك إلى حرب الإبادة الجماعية التي قادها الرئيس السوري بشار الأسد ضد الشعب السوري من جهة، ولتغذيته للتطرف والإرهاب في سوريا بالتعاون مع إيران والميليشيات الطائفية اللبنانية من جهة أخرى.

الهجمات غير المسبوقة كان لها تأثير سلبي ومباشر على الملايين من اللاجئين السوريين الذين باتوا موضع تدقيق أمني من قبل السلطات الأوروبية، فضلا عن ردود الفعل العنصرية تجاههم من قبل جمهور اليمين المتطرف.

بالمقابل، حصد بشار الأسد بعض المكاسب وخصوصا على المستوى الإعلامي، حيث تركزت الأضواء على إرهاب داعش وابتعدت عن إرهاب الأسد والميليشيات الطائفية التي تدعمه، كما وجهت هجمات باريس ضربة قوية للدول التي كانت لا تزال تعترض على إشراك الأسد في العملية السياسية المنتظرة، ودفعتها إلى إسقاط شرطها بتنحيه قبل بدء عملية التفاوض.

أنهت أحداث باريس التردد الذي كان يحكم التقارب في وجهات النظر حول الصراع في سوريا بين روسيا من جهة، وأميركا وأوروبا من جهة أخرى.

كان ذلك التردد يثقل الخطوات الأولى للسير في عملية سياسية على الرغم ممّا بدا كتنازلات هامة قدمها الغرب خلال الشهرين الماضيين في ما يخص مصير بشار الأسد. فالشرط المتمثل بإبعاده عن السلطة أو بتقديم ضمانات لرحيله تراجع نسبيا قبل أحداث باريس، ولكنه لم يسقط تماما، إذ بقيت بعض الدول تعتبره أساس أي مفاوضات جادة وهو ما أعاد الحديث عن المسار السياسي من دون السير قدما وبشكل جديّ فيه.

لكن المجزرة المروّعة في فرنسا جعلت هدف التخلص من داعش أهم الأولويات وطوت صفحة نقاش مصير بشار الأسد وخصوصا خلال نقاشات مؤتمر فيينا الذي جرى بعد يوم واحد فقط من وقوع المجزرة، وهو ما اعتبر أهم مكاسب النظام السوري.

لكن نتائج أحداث باريس لم تكن إيجابية على النظام السوري إلا في ما يخص رضوخ الغرب للتعاون معه. ذلك أن فحوى هذا التعاون حملت آثارا سلبية بل كارثية على نظام عائلي تسلّطي كنظام الأسد. ففي حين يريد الأسد من الغرب التعاون معه للقضاء على “الإرهاب”، يريد الغرب من الأسد التعاون لتغيير النظام السياسي بما يقود في نهاية المطاف إلى دفن “سوريا الأسد”.

سرّعت أحداث باريس الخطوات نحو الدخول في عملية سياسية لطالما وافقت عليها مختلف قوى المعارضة في حين كان يرفضها النظام وحلفاؤه. لقد أسفر مؤتمر فيينا عن إحداث شرخ واضح، يبدو أنه سيتّسع بمرور الوقت، بين رؤية النظام السوري للحل ورؤية موسكو، وقد كانتا متطابقتين إلى حد بعيد طيلة سنوات الثورة.

الأسد أكد على رؤيته من جديد قبل يومين فقط في تصريح لمحطة التلفزيون الإيطالية الرسمية (راي)، إذ اعتبر أن الجدول الزمني للمرحلة الانتقالية “يبدأ بعد إلحاق الهزيمة بالإرهاب” والمقصود بالإرهاب وفق قاموس الأسد كل المعارضين لنظامه.

لأول مرة بدا صوت الأسد ناشزا بالكامل عن حلفائه، إذ ينص اتفاق فيينا بشكل واضح وبموافقة موسكو وإيران، على أن الحل السياسي سوف يسبق إطلاق معركة القضاء على الإرهاب.

والحال أن ما سيشكل التغيّر الأهم في موقف روسيا وإيران من الصراع السوري هو الاتفاق على قائمة موحدة للتنظيمات الإرهابية في سوريا، إذ تجري الأردن الاتصالات بين الدول المعنية للتوصل إليها.

وفي حال صدرت تلك القائمة من دون أن تشمل كبرى فصائل المعارضة السورية، مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام، فسيكون ذلك بمثابة الانفصال التام لرؤية موسكو وطهران عن رؤية الأسد.

سيؤدي العمل الجاد على تلك القائمة إلى إحداث هزة عنيفة، بالمعنى الإيجابي، في صفوف قوات المعارضة السورية. هزة تعيد فرز تلك القوى وتطلق عمليتي دمج وإعادة هيكلة على أساس خطاب وطني عام بعيدا عن الخطاب الطائفي والأصولي الذي شكل دوما أحد حبال النجاة الكثيرة التي قدّمت للأسد وحلفائه.

هكذا، ورغم ما بدا من مكاسب إعلامية ودبلوماسية قد حققها الأسد على خلفية هجمات باريس، فإن الهجمات قد دفعت بصورة جادة، لأول مرة، باتجاه أسوأ كوابيس الأسد: التسوية السياسية.

كاتب فلسطيني سوري

8