في أبعاد معركة حلب

الاثنين 2016/08/08

يشكّل الصراع على حلب، المدينة أو العاصمة السورية الثانية، انعطافة كبيرة في مسار الثورة السورية، حصل ذلك في المرة الأولى في يوليو 2012 حين دخلت مجموعات من الجيش الحر إلى هذه المدينة وسيطرت على أجزاء واسعة منها، فيما بدا وكأنه تحول نحو اعتماد العمل المسلح بدل الكفاح الشعبي، وها هو يحصل مرة ثانية مع احتدام الصراع على المدينة ومع سيطرة جماعات المعارضة العسكرية على منطقة الراموسة الحصينة، التي تعتبر من أهم الركائز العسكرية للنظام في حلب، بل وفي منطقة الشمال السوري قاطبة.

ومن دون مبالغات في النظر إلى طبيعة الصراع على هذه المدينة، وتداعياته المتعلقة بالصراع على سوريا، فإن الأبعاد السياسية لهذه المعركة، في هذه المرحلة، يمكن تمثلها بالآتي:

أولا، لن تحسم معركة حلب مصير النظام السوري، لأن ذلك يتقرّر على نحو أكبر في منطقتين، أولاهما، دمشق، وثانيتهما، الساحل السوري، بمعنى أن المعركة في حلب ذات سقف محدود، مهما كانت أهميتها.

ثانيا، أن القوى الدولية والإقليمية مازالت تشتغل وفق مبدأ مفاده أن لا غالب ولا مغلوب في الصراع السوري، أي لا مهزوم ولا منتصر، لا النظام ولا المعارضة، بحيث يبقى التوازن الذي يديم الصراع، واستمرار استنزاف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المتورطة.

ثالثا، معركة حلب بأن تفيد تركيا مازالت تضطلع بدور كبير في الحفاظ على التوازن في هذه المنطقة، وأنها رغم أوضاعها الداخلية الصعبة مازالت قادرة على أن تفرض أجندتها على الأطـراف الدولية والإقليمية في الصراع السوري، أو على الأقل في حدودها الجنوبية (الشمال السوري).

رابعا، هذه المعركة بيّنت أن روسيا باتت أكثر قدرة على التصرف في الملف السوري، إن لجهة فرض إملاءاتها على النظام، أو لجهة التوضيح لإيران أن دورها في الساحة السورية سيبقى محدودا ووفق الإطار الذي تحدده لها روسيا، وفقا لمصالحها وسياسـاتها؛ لذا يبـدو أن التباين في الموقفين الروسي ـ الإيراني سيبقى مرشحا للمزيد.

ويمكن تعزيز هذه الفرضيات أو الاستنتاجات، من خلال ملاحظتنا أن المعارضة العسكرية السورية استطاعت بسرعة لافتة فكّ الحصار الذي فرض مؤخرا على المناطق التي تقع تحت سيطرتها في حلب، لا سيما بعد سيطرة النظام وحلفائه على طريق الكاستيلو الذي كان يتيح حرية الحركة بين مناطق المعارضة وتركيا، بما يشكله ذلك من إغلاق سيتسبب في وقف تدفق موارد الدعم للمعارضة وللمناطق المحاصرة.

ملاحظة أخرى ينبغي لفت الانتباه إليها في هذا السياق، تتعلق باستثمار التحولات الجديدة في الصراع السوري في التحضير للجولة المقبلة من المفاوضات السورية ـ السورية، المتوقع أن تستأنف هذا الشهر في جنيف، لا سيما بعد الإنجازات التي حققتها المعارضة في حلب، إذ أن المعارضة أثبتت أنها رقم لا يمكن تجاوزه.

أخيرا، ربما يجدر الانتباه إلى أن ما حصل في حلب، من تحول لصالح المعارضة، بعد الانتكاسة التي كانت تعرضت لها في أكثر من مكان، ما كان ليمر لولا أن ثمة إرادة أميركية تريد أن تحافظ على الستاتيكو القائم، ولا تسمح بالإخلال به، في سبيل الدفع نحو الحل السياسي وفق المنظور الأميركي. في هذا التحول تريد الإدارة الأميركية أن توجه رسالة إلى روسيا بأنها هي التـي تتحكم بالملـف السـوري، وأن روسيا يفترض أن تضبط إيقاعها على هذا الأساس، وأن لا تتجاوز أو تلعب خارج هذا الإطار.

ولعل تسريب كلام أوباما لدى اجتماعه مع أركان الجيش والدفاع في البنتاغون يصب في هذا الاتجاه، لا سيما قوله “لست متأكدا أن في إمكاننا الوثوق بالروس وبوتين… ربما تكون روسيا غير قادرة على الوصول إلى ذلك (ضبط وقف القتال)، إما لأنها لا تريد ذلك، وإما لأنها لا تملك نفوذا كافيا على الأسد. وهذا ما سنقوم بتقويمه… لهذا السبب علينا أن نجري تقويما في شأن ما إذا كنا سنتمكن من الوصول إلى وقف فعلي للأعمال العـدائية”. أمـا بخصوص نظام الأسد عند أوباما فإن “وحشيته تدفع الناس إلى أذرع المتطرفين…”؛ هذا مع حديثه عن أن رؤية الإدارة الأميركية تتأسس على مواجهة الإرهاب والتحول الانتقالي في سوريا في آن معا، بدلا من التركيز على مواجهة الجماعات الإرهابية أولا، وفق الأجندة الروسية.

كاتب سياسي فلسطيني

8