في أثر الغياب وقصائد الرثاء

بلاغة القول وفخامته في شعر المراثي تعبير عن محاولتنا كبشر التعويض عن فداحة الوعي بشرط الإنسان الوجودي.
الثلاثاء 2019/08/20
الشاعر لم يعد صالحا للرثاء (لوحة للفنان بسيم الريس)

ثمّة ما يستوقف القارئ في تحوّلات الحداثة الشعرية العربية خلال العقود القليلة التي مضت، سواء عند شعراء القصيدة الحرة أو شعراء قصيدة النثر. تجاوزت هذه التحوّلات بنية القصيدة إلى موضوعاتها، ما تعكس تحوّلا كليّا في الوعي الجمالي والفكري تقريبا.

من هذه التحوّلات التي لم تحظ بالانتباه كان اختفاء شعر المراثي، بعد أن كان يعدّ من الموضوعات الأساسية في القصيدة العمودية، لا لأن الموت توقّف عن أعمال الفتك بالبشر، وإنما لأن الشعر بات مشغولا بقضايا وموضوعات أخرى فرضتها طبيعة التحوّلات السياسية والفكرية التي سادت خلال هذه العقود.

إنّ تمجيد الحياة وتمجيد الإنسان والتبشير بالمستقبل وبالثورة كان محور هذه التجارب، وإن كانت بعض التجارب الشعرية قد حاولت في مرحلة لاحقة تلت هزيمة حزيران 1967 أن تعبّر عن غربة الإنسان الوجودية والتأمل في الحياة، لكن من دون أن تكون ظاهرة الموت الملازمة لوجودنا بصورة قاسية حاضرة في هذه القصيدة.

إنّ مثل هذا التحوّل الذي أصاب القصيدة الحديثة كشف عن التبدّل الذي طرأ على وعي الشاعر الحديث وشواغله وعلى وعيه الوجودي وعلاقته مع الذات والعالم. لقد كان لعصر الجماهير والثورة في القصيدة الحديثة دوره الفاعل في تغيير طبيعة الرؤية إلى قضايا الحياة، على الرغم من أن مظاهر الموت الأكثر درامية أصبحت بعد شيوع أمراض العصر الفتّاكة أكثر تهديدا لحياة الإنسان ووجوده. الموقف الوحيد الذي أعاد هذه القصيدة الحديثة إلى قصيدة الرثاء كان رحيل جمال عبدالناصر، وكأن هذا الموت بمعناه الوجودي والسياسي العربي قد أيقظ عند بعض الشعراء هذا الصوت الكامن في أعماقهم، لكنه سرعان ما تلاشى الأثر الذي خلّفه هذا الرحيل.

إنّ السؤال عن غياب قصيدة الرثاء يأتي في سياق السؤال عن تحوّلات بنية القصيدة ووعي الشاعر الفكري والجمالي بها لأنّ ثمّة موضوعات كانت معروفة في القصيدة العمودية مثل الحبّ ومديح النساء لم تغبْ عن القصيدة الحديثة، وإن كانت قد تداخلت أحيانا مع موضوعات أخرى واكتسبت دلالات أوسع. لذلك فإنّ المقصود بشعر المراثي يتجاوز المفهوم التقليدي الذي كان سائدا لها في القصيدة العمودية. التجربة التي قدّمها الشاعر محمود درويش في ديوانه الجدارية، والتجربة الحديثة عند الشاعر أمجد ناصر في ديوانه “مملكة آدم” هي اشتغال مختلف على هذه القصيدة، وإعادة بناء ومقاربة لها في إطار الوعي الجديد بالعلاقة مع قضية الموت وما يمكن أن يستدعيه من قضايا ذاتية وجمعية.

في الشعر العربي القديم ثمّة ما يقابل هذه التجربة، وإن كان البعدُ الذاتي العاطفي والتصويري هو الطاغي عليها. لقد كانت هذه التجربة وليدة لحظة إنسانية فارقة وجد فيها الشاعر نفسه أمام الموت وجها لوجه. في هذه القصيدة تظهر الكثافة الحسية والبعد الوجداني والتصوير الدالّ على عمق اللحظة الفاجعة شعوريا.

لقد حاول الشاعر مالك بن الريب في هذه القصيدة على الرغم من الطابع السردي فيها أن يحاول تمثّل عمق هذه اللحظة الوجودية الفارقة ذاتيا، وأن يجعل هذه النهاية جديرة باحتفاء الإنسان بالوجود ( أقول لأصحابي ارفعوني فإنني/ يقرّ لعيني أنْ سهيلٌ بدا لي). هذا البيت الذي لم ينتبه له النقد كثيرا يذكّر ببيت الشاعر الإسباني لوركا إذا متّ فدعوا الشرفة مفتوحة. كلاهما يحاولان أن يجعلا من الموت علاقة اتصال واحتفاء بالحياة، وليس العكس من ما يمكن للموت أن يحمله من دلالات قاسية أخرى.

 وتعدّ تجربة الشاعر المصري الراحل أمل دنقل في ديوانه أوراق الغرفة رقم ثمانية إضافة أخرى إلى هذه المكابدات في الوقت المتبقي قبل سدول ستارة العدم. في هذا الديوان يسجّل الشاعر وقائع هذه التجربة بكثافتها الحسية الموجعة التي يتحوّل فيها الكلام إلى رسائل أخيرة يختلط فيها الذاتي الخاص بالعام. إنّ هذا التكثيف الشعوري العالي للعلاقة مع الزمن والحياة هو تجسيد لعمق اللحظة الوجودية والوعي المأساوي بها. لكن على الطرف الآخر بالنسبة لنا الذين توقظنا هذه الغيابات الموجعة من غفلة الحياة، لا شيء يعيدنا إلى ما كنّا عليه ونحن نقرأ في هذه التجارب، وقد تحوّلت إلى مرايا مهشمة نعبرها بأرواحنا العارية.

إن الإنسان الذي استمد اسمه من النسيان سرعان ما يعود إلى اعتياديته واستغراقه من جديد في تيار الحياة المتدفق، أو إلى لعبته التي لا تنتهي مع الحياة والزمن والنفس، حيث تحاول الأخيرة بآلية لا شعورية حذف الكامن في لا وعينا من ساحة الشعور، لكي نحافظ على توازن العلاقة مع الحياة. لذلك فإنّ من يؤلمنا رحيله سرعان ما تأخذنا الحياة وتدفعنا مع تيارها الذي لا يتوقف. إن بلاغة القول وفخامته في شعر المراثي هو تعبير عن محاولتنا كبشر التعويض عن فداحة الوعي بشرط الإنسان الوجودي. وهذا ما يفسر جانبا مهمّا من المبالغة في الرثاء وكرم اللغة في تبجيل الراحل، وكأننا بذلك نحاول أن نعيد لا شعوريا للحياة توازنها في مواجهة هذا الشرط القاسي من أجل التغلّب على معنى العدم والفناء الكامن في معنى هذا الرحيل.

إنّ هذه المبالغة التي تسمُ شعر الرثاء هي في جانب مهم منها محاولة من الشاعر لإعلاء قيمة الحياة والإبداع في مواجهة العدم الذي يمثّله الموت، إنها عمل لا واعي للتخفيف من الأثر الشعوري الذي يخلفه هذا الرحيل بمعناه التراجيدي، بوصفه تهديدا دائما لنا أيضا. إنّ فهم ظاهرة المبالغة يحتاج إلى تجاوز الظاهر كما نجده في البكائيات والحسرة والألم إلى الحفر في لا وعي النص، والماثل في محاولة الإنسان استعادة التوازن النفسي والروحي في هذه العلاقة المضطربة. من هنا يمكن فهم الروح المتعالية على الموت بالفن والجمال، في جدارية درويش وفي أوراق الغرفة رقم 8 لأمل دنقل وعند سواهما من الشعراء الآخرين، وفي أساطير القيامة والبعث في تراث الحضارات الشرقية.

15