في أسباب غياب المعارك الثقافية

أصبحت المعارك حول الجوائز وحول المصالح، الامتيازات المادية وما يدور في فلكها تشغل النخب المثقفة أكثر مما تشغلهم قضايا هامة وخطيرة.
الأحد 2019/05/05
المعارك الثقافية الجادة شهدت تراجعا ملموسا (لوحة إدوارد شهده)

 كشف السجال الذي دار مؤخرا حول تسريبات جائزة “البوكر” التي ترعاها الإمارات العربية المتحدة عن تقلص، وربما غياب المعارك الجادة في حياتنا الثقافية راهنا، ليتصدر المشهد ما هو عارض، وسطحي، وعقيم، ومسيء للثقافة في معناها الأصيل والعميق.

ولو نحن تمعّنا في وضع الثقافة العربية خلال النصف الأول منذ مطلع القرن العشرين وحتى عقد الستينات منه، لتبيّنَ لنا أن المعارك التي اندلعت بين مفكرين ومثقفين وكتاب وشعراء حول العديد من القضايا الجوهرية، هي التي مهدت لظهور تيارات واتجاهات لعبت دورا أساسيا في تحريك السواكن، وإذابة جليد الجمود والركود، وبعث الروح في ثقافتنا العربية لكي تكون مواكبة للعصر، وعاكسة لتطوراته السريعة في جميع المستويات.

فحال عودته من فرنسا في العشرينات من القرن الماضي، شن طه حسين معارك حامية ضد المتمسكين بالماضي، والمتشبثين به، رافضين كل شكل من أشكال التجديد سواء في اللغة، أو في أساليب التفكير. ومتأثرا بعقلانية الفيلسوف الفرنسي ديكارت، طرح في كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” ما كان قد سماه بـ”التجديد العقلي” ليتخذ منه منهجا قاعدته الأساسية تجرد الباحث من كل ما كان يعلمه من قبل حول أي موضوع يتناوله بالدرس والتمحيص.

ومعنى هذا أن طه حسين تجرأ على رفض المسلمات واليقينيات، ليعيد النظر في كل ما كان سائدا في التفكير العربي حتى ذلك الحين. وعكس شيوخ الأزهر الذين كانوا “يقدسون” كل ما هو قديم، انصرف هو إلى دراسة آثار الشعراء قبل الإسلام وبعده، بطريقة تعتمد أساسا على أساليب النقد الحديث التي كانت رائجة في الغرب آنذاك. ورغم أنه فصل عن عمله في الجامعة مرتين بسبب مواقفه الجريئة المناهضة لكل أشكال التحجر والتزمت، ظل طه حسين حريصا على شن المعارك ولا هدف له سوى بعث ثقافة عربية تكون مواكبة للعصر في حاضره ومستقبله. وبتأثير منه، ظهر في مصر، وفي بلدان عربية أخرى، مثقفون ونقاد وكتاب انتصروا لأفكاره، خاضوا مثله معارك دفاعا عن حرية الرأي والتفكير، مُعيدين للثقافة العربية رونقها سواء في النقد، أو في القصة والرواية، أو في غير ذلك من أساليب التعبير. وفي أواخر الأربعينات من القرن الماضي، شهد الشعر العربي معارك حامية بين التقليديين المتمسكين بالأوزان الخليلية، ودعاة الشعر الحر المتأثرين بموجات الشعر الحديث في الغرب. حدث ذلك بعد أن نشرت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قصيدتها الشهيرة “الكوليرا”.

وما لبثت تلك القصيدة أن أثارت ردود فعل كثيرة في جل البلدان العربية، ممهدة لظهور ما أصبح يسمى بـ”الشعر الحر”. وفي ظرف سنوات قليلة، تمكن رموز هذا اللون الجديد من الشعر أمثال بدر شاكر السياب، وبلند الحيدري، وعبدالوهاب البياتي، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وصلاح عبدالصبور، وغيرهم من فرض وجودهم في المشهد الشعري العربي.

وكانت المعركة بين التقليديين ودعاة الشعر الحر لا تزال مشتعلة في المنابر، وعلى أعمدة الصحف والمجلات، عندما أطلق يوسف الخال العائد للتوّ من الولايات المتحدة الأميركية مجلة “شعر”، مُعلنا من خلالها عن ميلاد لون جديد سماه “قصيدة النثر”.

ورغم المعارضة الشديدة التي لاقتها من مختلف التيارات، بما في ذلك التجديدية منها، فإن هذه القصيدة تمكنت من أن تفرض نفسها خصوصا وأن رموزها أثبتوا من خلال السجالات والمعارك أنهم يمتلكون ثقافة عميقة، وأنهم مُتجذّرون في روح الثقافة العربية، وليسوا “غرباء” عنها كما يزعم خصومهم.

وشهد المسرح العربي هو أيضا جدلا طويلا وحادا بين المتمسكين بالفصحى ودعاة الدارجة. وفي النهاية، كان الانتصار لدعاة اللغة التي يتداولها الناس في مختلف جوانب حياتهم اليومية. وبذلك، لم يعد كتاب القصة والرواية يترددون في استعمال هذه اللغة في الحوارات. وهذا ما فعله كتاب كبار أمثال الطيب صالح، ويوسف ادريس، والبشير خريف على سبيل المثال لا الحصر…

انطلاقا من نهاية الخمسينات من القرن الماضي، بدأت المعارك الثقافية الجادة تشهد تراجعا ملموسا. وظني أن ذلك يعود إلى أن الأنظمة التي جاءت بها حركات الاستقلال الوطنية، أو تلك التي استولت على السلطة بالدبابات والمدافع كانت تَستعْدي كل من يتجرأ على رفض أو انتقاد سياستها. لذلك دأبت طوال فترات حكمها على شن حملات قمع رهيبة ضد النخبة المثقفة، زاجّة برموزها في السجون، أو مجبرة إياهم على الفرار إلى المنافي. ومع بروز الحركات الأصولية المتطرفة في السبعينات، لم تعد الرقابة على النخب المثقفة سياسية فقط، بل باتت دينية.

كل هذه العوامل التي تراكمت على مرّ العقود، ولّدت فئات من المثقفين والمفكرين والكتاب والشعراء الذين يخشون خوض المعارك من أجل الدفاع عن القضايا الهامة والخطيرة التي تواجهها الثقافة العربية على مستويات متعددة ومختلفة. فقد خيّر البعض من المثقفين والمفكرين عدم الخوض في كل ما يتعلق بـ”المقدس” خشية أن يتعرضوا للقتل مثلما كان حال من جاهروا برفضهم لأطروحات الحركات الأصولية. آخرون استكانوا للأنظمة الشمولية الحاكمة فما عادت لهم الجرأة لطرح ما يمكن أن يزعج هذه الأنظمة، أو يثير سخطها وغضبها. وهناك مثقفون وكتاب ومفكرون وشعراء أصبحوا منشغلين بأوضاعهم ومصالحهم الخاصة. لذا هم يفرضون على أنفسهم رقابة خاصة، مُتَجَنّبين إثارة قضايا قد تحرمهم من جائزة مرموقة، أو من منصب رفيع، أو حتى من حضور ندوة أو مهرجان. فما يعنيهم أولا وأخيرا هو إرضاء الجميع بمن في ذلك من لا يتفقون معهم في التفكير والرأي. يتساوى في ذلك الذين يقيمون في بلدانهم الأصلية، أو أولئك الذين يعيشون في المنافي…

لهذه الأسباب كلها، أصبحت المعارك حول الجوائز وحول المصالح؛ الامتيازات المادية وما يدور في فلكها تشغل النخب المثقفة أكثر مما تشغلهم قضايا هامة وخطيرة مثل حرية التعبير، ومحاربة أجهزة الرقابة بجميع أشكالها، والتصدي للعنف والتزمت الفكري والعقائدي، وتوفير الوسائل المادية والمعنوية لحماية حقوق الكتاب، وتعميق النقد الجاد والموضوعي لمقاومة الظواهر السلبية التي تهدد الثقافة العربية راهنا، والمتمثلة بالخصوص في تفاقم الرداءة والسطحية والافتعال في الكتابة كما في التفكير…

10