في أقرب وقت

الأحد 2014/08/10

في مصر ثلاث شركات للهاتف المحمول. كلها تتنافس على سرقة المشتركين وتعذيبهم إما بالفواتير أو الخدمة السيئة. لم يفكروا أبدا في تحسين خدماتهم لاستقطاب مشتركين جدد، لكنهم يتنافسون على تشجيع أكبر عدد من المصريين على الهروب منهم.

قبل عشرة أيام أصابت هاتفي المحمول سكتة قلبية مفاجئة وتوقف عن العمل في إضراب مفتوح. اتصلت بخدمة عملاء الشركة التي أتبعها فقالوا لي إنه سيعمل في أقرب وقت. استفسرت عن سبب العطل خصوصا وأن الفواتير مدفوعة، فأجابوا لا تقلق سيعمل في أقرب وقت..

مر يومان.. 48 ساعة انقطعت فيها أخباري عن الأقارب والأصدقاء، واتصل أهلي بالجيران ليعلموا ما لذي ألمّ بي. ثالث يوم عاودت التساؤل، فتلقيت إجابتهم الخالدة “لا تقلق سيعمل في أقرب وقت”. تابعت التساؤل متى سيكون هذا الوقت بعد أسبوع أم شهر أم سنة؟ وجاءني الرد المستفز “في أقرب وقت”!

وصلنا لليوم الخامس والإجابة كما هي. ويبدو أن الشركة لقنت موظفيها جملة واحدة مطاطة لأن الفنيين والمهندسين في تلك الشركة يغرقوا “في شبر مية”. من ثم فهم يسوفون لأنهم لا يعلمون. بدأت أشك فيما إذا كانوا يستخدمون الساعة الحديثة أم أنهم مازالوا يفضلون المزولة والساعة الشمسية والرملية.

فقد الموظفون الإحساس بقيمة الوقت، وأصبحوا لا يعرفون سوى نفس الجملة. وكان طبيعيا أن ألعن الوقت الذي فقدنا قيمته في مصر. تدريجيا بدأت أعود إلى عصر المسلمين الأوائل -في الوقت فقط- وصرت أنظم مواعيدي بعد صلاة الظهر أو العصر أو المغرب. أسمع الآذان فأقول لنفسي أمامي ساعة لأصل لصديقي في موعدنا. لكن لو تأخرت بسبب عطل في الطريق لا يمكنني محادثته، ولو حدث ظرف طارئ لا أستطيع الاعتذار.

الجوال أصبح شيئا ضروريا في الحياة رغم أنني كنت أعيش دونه مرتاح البال قبل عام 2000.

المهم أنه بعد عشرة أيام انتظم الخط وتنفست الصعداء. وفورا اتصلت بخدمة العملاء من هاتفي الجوال بعد أن عادت إليه الحياة، ولا ألومهم في الوقت ذاته على طول الوقت الذي استغرقه الإصلاح. لكن بمجرد أن رأى موظف خدمة العملاء رقمي الذي كنت قدمت الشكوى بخصوصه، إلا وجاءتني الإجابة المعتادة “الخط سيعمل في أقرب وقت”.

وتساءلت هل وصل الغباء إلى هذا الحد؟ أم أن الروتين ألغى العقول وجعل الموظفين بغبغاوات يتكلمون دون عقل. وكان طبيعيا أن أقول له “بالله عليك أحدثك من الهاتف بعد إصلاحه وأنت لا تعلم. إما أنكم تتعاطون المخدرات أو أن عقولكم هي التي توقفت عن التفكير وستعود في أقرب وقت”.

24