في أن التنظيمات الجهادية ستفشل في سوريا

الأربعاء 2013/08/28

وصلت سوريا، إلى مرحلة متطورة ومتأزمة في تطورها التاريخي، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وهي نتاج مائة عام من الاستقرار والرسملة، المليئة بالأحداث السياسية المفصلية من تحرر ووحدة وانقلابات عسكرية وتغير في نمط الاقتصاد ونمو كبير في الطبقة البرجوزاية والطبقات الشعبية؛ فلم تعد سوريا مجتمعاً زراعياً وقابلاً للعودة إلى القرون الوسطى، وهي تتطور بشكل مستمر، بما فيه التطور المتصل بتشكل هوية وطنية عابرة للأديان، وأزعم للقوميات كذلك؛ همجية النظام والتدخل الإقليمي والعالمي المؤثر طيلة عامين ونصف، هي من رعى وطوّر وسمح بوجود تلك التنظيمات الجهادية، بقصد تدمير الثورة.

وبعكس ذلك، أبرز السوريون في المناطق المحررة، كما المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة، موقفا رافضا ونابذا لتلك التنظيمات، وهذا مما يتجاوز الثورة ذاتها، لأنه ينطلق من نقد ممارسات الإسلام الجهادي، والذي لا علاقة له بشكل التدين والإيمان التاريخي للسوريين، ولا يستجيب لحاجتهم الروحية، التي وصلت مستوى متقدماً في العلاقة مع الدين والإيمان والواقع والسياسة، فهو تدين الاستقرار والتعايش والتصالح مع المجتمع، وهذا متعلق بطبيعة العصر كعصر رأسمالي نازع نحو الحداثة، حيث كافة الناس وليس الخلفاء أو أولي الأمر من يحرك التاريخ ويغيره.

أبرز مؤشر على فشل تلك التنظيمات، رفض السنة لهم قبل بقية طوائف المجتمع، أي رفض المجتمع بأكمله لهم، وهو ما تم في الرقّة وسراقب وحلب وغيرها، عدا عن معارك أصبحت تخاض بين مكونات عسكرية مسلحة وتلك التنظيمات وفي أكثر من مدينة، وهو مؤشر على بدء نبذ الثورة لهكذا توجه.

يساهم في ذلك النبذ، طائفية ورجعية برامجهم وممارساتهم، والتي تدعي بأنها تريد بناء دولة الخلافة، وتقاتل كافة التشكيلات المسلحة لأجل ذلك، عدا عن محاولاتها بناء سلطة شمولية في المناطق المحررة، وابتعادها عن خطوط الجبهات في كثير من الأوقات، ورفضهم الانضواء في تشكيلات الجيش الحر، وبالتالي لا أرضاً خصبة لهكذا تيارات في سوريا.

تشكل طبيعة الثورة، كثورة مجتمع متأزم على كافة المستويات، ويريد تحقيق حقوقه العامة، سبباً تأسيسيا في الانشغال العام بكيفية تجاوز المشاريع الفئوية والجهادية، لصالح تحقيق مجتمع متقدم، ويؤمن للأفراد حقوقهم. وبالتالي ليست الثورة من أجل مشروع سياسي أصولي، يتوهمه الإخوان المسلمون أو التنظيمات الجهادية.

ولكن ما أعاق توضيح رؤية الثوار لمصالحهم، والقبول الجزئي في بداية الأمر لتلك التنظيمات، حجم الهمجية من قبل النظام، وتسويف المعارضة لموقف مهادن لها، بل والأنكى اعتبار جبهة النصرة فصيلاً من فصائل الثورة، وهذا ما تم تكريسه عبر كثير من المواقف التي تؤكد على ذلك، وترفض اعتبارها ثورة مضادة وتخدم النظام، وبالتالي تتحمل المعارضة مسؤولية في تكريسها كجزء من الثورة في المدن السورية.

إذن، ما يقف عائقاً أمام اتخاذ موقف صلب من التنظيمات الجهادية ليس المجتمع؛ فالمجتمع أعلن استيائه ولا يزال، بل هي المعارضة والدول الداعمة لها، والدعم المشروط من قبل الدول الإقليمية للجيش الحر، وإبقاؤه في أدنى درجات الجهوزية، كي يكون ممكناً اللعب بالثورة ودفعها نحو التطييف، وهو الهدف المركزي للسلطة ومنذ اليوم الأول للثورة، حيث أعلنت أن سورية فيها إمارات سلفية وإرهابيين، ولم تعترف بالثورة كمظاهرات سلمية في الأشهر الأولى إلا لتدينها بعد ظهور وطغيان الجناح العسكري فيها.

ما يشجع المد الجهادي إدخال السلطة تنظيمات جهادية تقاتل إلى جانبها، وتحديدا حزب الله وعصائب أهل الحق من العراق والحرس الثوري من إيران وغيره، وتشكل خطابات نصر الله عاملاً إضافياً في ذلك المد، حيث الخطاب الطائفي بامتياز يستدعي ردا طائفياً بالمثل، وبالطبع يشكل الإسلام السياسي «الإخوان المسلمون» الغطاء السياسي المقبول بتشريعه للأسلمة كتيار سياسي طامح من أجل استلام السلطة، سيما وأنه يتحدث عن الدولة المدنية بشكل ملتبس في نظر الكثيرين، بينما رؤية الإخوان لمسألة السلطة تتحدد بسلطة شمولية وأقرب للطائفية. تونس ومصر أمثلةً عن ذلك.

وبغض النظر عن تعدد الأسباب، فإن كافة التنظيمات الجهادية تتعارض رؤيتها ونشاطاتها مع الثورة والمجتمع السوري؛ أي أن المفاضلة بينها، كالقول أن النصرة تتفهم الواقع السوري بينما الدولة الإسلامية في العراق والشام لا تتفهم ذلك، هو مجرد لغو، فقد تختلفان بين بعضهما في هذا التفصيل أو ذاك، ولكن رؤيتهما لمستقبل سوريا، رؤية منفصلة عن الواقع، ومتعالية في طائفية مغرقة في التخلف، ولا تصلح إلا لمجموعات بشرية منعزلة عن المجتمع البشري، حتى في إطار القرون الوسطى؛ إذن التحكيم العقلاني في هذه القضية، عدا عن جملة الممارسات التكفيرية، يوضح كارثية تسويف موقف مائع منها، وبالتالي تسويقها كجزء من الثورة.

لم تنجح محاولتها في خلق بيئة آمنة لها، عبر فرض سيطرة كاملة على القرى والبلدات، أو عبر محاكم شرعية أنشأتها، أو عبر محاولات التقرب من السكان المحليين عبر توسل أخلاق مدّعاة، أو تدبر شؤون بعض الناس في بعض الأوقات، فإنها فعلياً لا دوراً حقيقياً لها في إطار الثورة، وهي مجال لعب إقليمي حقيقي من السعودية وقطر وتركيا، وهذا اللعب مرتهن للسياسات الأميركية؛ فهناك مصلحة أميركية مباشرة في وجودها رغم الثرثرة الإعلامية والأميركية خاصة في الحرب على الإرهاب.

نعم، لقد خلقت الشروط المذكورة أعلاه ثورة مضادة- لا تختصر المضادة هنا بالتنظيمات الجهادية- في الثورة، وهي تدفعها للقبول بتفاوض من أجل حل سياسي، ولكن وبغياب تحقق ذلك، فإن محاربة التنظيمات الجهادية هي جزء من معركة الشعب، وهو يخوضها بالفعل.

نوجز بأن هذه التنظيمات ستفشل في إرساء مستقَر لها، وظهورها متعلق بتأزم عال في الثورة، حيث غياب قيادة سياسية وعسكرية حقيقية وفاعلة، وستزول بزوال هذا التأزم، طبعا لا يمكن أن تزول نهائيا، ولكنها ستعود إلى هامش معزول ومرفوض اجتماعيا.

9