في أوراق لطيفة الزيات امرأة تنتصر على جسدها الأسير

رغم قساوتها ولا إنسانيتها، تظل تجربة السجن والاعتقال بالنسبة إلى المبدع هي التجربة الأكثر قدرة على أن تنحت لديه ذاته وتصوغ له تأملاته الخاصة، إذ تصبح العزلة مفتوحة على المطلق ويستحيل السجان سجينا، هذا تماما ما صورته الكاتبة المصرية لطيفة الزيات في كتابها «حملة تفتيش.. أوراق شخصية».
السبت 2016/04/02
كسر عزلة الذات (لوحة للفنان غسان عزت)

لطيفة الزيات (1923-1996) أكاديمية مصرية ومناضلة سياسية، قاومت كافة أشكال الاستبداد باشتراكها في النضال مع صفوف الجيش في بورسعيد، كما قاومت بالكلمة فتعرّضت لتجربة سجن مريرة في أواخر حكم الرئيس السادات، وهي تجربة كتبت عنها في حياتها ضمن كتاب، أعادت طباعته حديثا دار الكرمة للنشر بالقاهرة (2016) بعنوان «حملة تفتيش.. أوراق شخصية»، بعد إضافة جزء ثالث لها مرتبط بتجربة الكتابة بعنوان “تجربتي في الكتابة”، وهو الجزء الذي نُشر في مجلة الهلال ضمن باب التكوين، إبّان صدور روايتها «صاحب البيت» عام 1994. وهذا الجزء بمثابة إعادة تأمل ليس في ذاتها ومسيرتها فقط، بل إعادة تأمُّل أيضا في مُجمل كتاباتها وفي علاقتها بذاتها، وكيف عبَّرت من خلالها عن مفهوم الحرية التي تمتعت بها والتي اعتبرتها مرادفا للكتابة التي مارستها في سني عمرها.

خرق النوع

يكسر كتاب «حملة تفتيش.. أوراق شخصية» حدود نوع السيرة الذاتية لينضم إلى الأعمال التي تزاوج بين التخييل والمرجعي وهو ما وُسم برواية السيرة الذاتيّة، فالزيات مع أنها تولي اهتماما كبيرا للتجربة التي مرت بها بعد دخولها السجن، تنقل إلينا أثر وقائع السّجن عليها وعلى صديقاتها اللاتي انضممن إليها مع فارق الأيديولوجيا التي ينتمين إليها مثل الكاتبة نوال السعداوي التي تنتمي إلى أقصى اليسار في مقابل صافيناز كاظم التي تنتمي إلى أقصى اليمين (الإسلام)، وعلاقة الكاتبة بسجّانها، وكيف استطاعت أن تبدل المواقع بينها وبين سجانها، فتجعل منه هو المسجون وليست هي، إلا أن ثمة تجربة أخرى أكثر إيلاما للكاتبة تمثلت في زواجها وطلاقها وما سببته هذه التجربة من ندوب وجروح كانت أكثر إيلاما من تجربة السجن ذاتها، علاوة على تجربة موت أخيها عبدالفتاح التي ربطت بينها وبين حدث عام.

تختلف تجربة لطيفة الزيات في «حملة تفتيش.. أوراق شخصية» عن تجارب الأخريات في الكتابة عن الذات، ومرجع الاختلاف أن الكاتبة سعت فيها إلى عكس الأحداث العامة على تاريخها الشخصي مثلما فعلت من قبل في “الباب المفتوح” عام 1960، إذ اتخذت من مسارات الأحداث الكبرى التي مرّت بها في حياتها رابطا لاكتشاف ذاتها، والتحام هذه الذات الفردية بالتاريخ الجمعي.

"حملة تفتيش.. أوراق شخصية" يكسر حدود نوع السيرة الذاتية لينضم إلى الأعمال التي تزاوج بين التخييل والمرجعي

انقسم النص إلى ثلاثة أجزاء، فحمل الجزء الأول عنوان “1973” وكان أطول نسبيا من الجزء الثاني، وهو بمثابة سيرة ذاتية غير مكتملة للكاتبة، حيث حوى عالم طفولة الساردة في دمياط وذكرياتها في البيت القديم، كما حوى حكاية زواجها وطلاقها بعد زواج دام ثلاثة عشر عاما، ثم تطرّقت إلى نكسة 67 وتنحّي عبدالناصر ثم وفاته. أما الجزء الثاني المعنون بـ”1981” فينقسم إلى جزأين، جاء الأول بعنوان «من كتابات كُتبت في سجن القناطر الخيرية سنة 1981»، وجاءت مبوّبة في عنصريْن (1-2)، وكان الجزء الثاني مُستقلا بعنوان “حملة تفتيش” وبعنوان فرعي “سجن القناطر 13 نوفمبر 1981” وفي الجزأين الأول والثاني تحكي الزيات عن تجربتها في السجن بعد صدور أمر التحفظ من السادات في حق 1500 من معارضي كامب ديفيد.

تستدعي الكاتبة من الذاكرة تجربة أخرى من تجارب السّجن التي مرّت بها في مارس 1945 بعد إلقاء القبض عليها هي وزوجها بتهمة قلب نظام الحكم داخل شقة في الشاطبي. وإن كانت حملة التفتيش التي تعرّضت لها داخل سجن النساء في القناطر قد جرت لها على مستويين؛ مستوى مادي يشير إلى حملة تفتيش واقعية تجريها إدارة السجن، ومستوى معنوي يشير إلى غوص الراوية في أعماق ماضيها واستدعاء فترات من حياتها بدت عند بداية الحدث جُزرا منعزلة عن بعضها لكنها متقاربة، والحدث الخارجي أي حملة التفتيش المادية هو بالطبع الذي يستدعي الحدث الداخلي، والتفاعل في ما بينهما تفاعل دائب.

أما الجزء الثالث فعن تجربتها في الكتابة، ويمثل تجربة استعادية للماضي، وعلاقتها بالكتابة وبنصوصها، وهو ما يمكن وصفه بأنه كتابة عن الكتابة، فالكاتبة تعود بذاكرتها لتجربة الكتابة لديها التي تراها فعلا من أفعال الحرية، أو «وسيلة من وسائلي لإعادة صياغة ذاتي ومجتمعي» على حد تعبيرها. وفي هذا الجزء تعرض أعمالها سواء كانت كتاباتها السياسية أو النقدية التي تراها حرية من حيث هي توكيد لذاتها ولقدرتها، ووصلا واتصالا بالآخر وبالآخرين.

كسر عزلة الذات

لطيفة الزيات تسعى إلى كسر عزلة الذات دون أن تكسر الذات نفسها

تسعى لطيفة الزيات إلى كسر عزلة الذات دون أن تكسر الذات نفسها، وأيضا تتواصل مع الآخر دون أن تتلاشى فيه حسب عبارة فريال جبوري غزول عن الكتاب، وهذا الأمر حاولت استثماره بشكل جيد من خلال المذكرات من حيث الاستناد إلى تواريخ لها دلالات وطنية وشخصية. وتتحوّل الذات الفردية إلى نحن من خلال الانصهار في الجماعة فتتشكّل بذلك ملامح شخصيتها في إطار سياسي عبر علاقاتها بالكيان الجمعي، وترصد تجربتها من خلال الربط بين العام والخاص كما يشير عنوان السيرة الذاتية، الذي يجمع بين حملة تفتيش وأوراق شخصية وبين الوطن والمرأة وهذا ما تدركه جيدا لطيفة في المذكرات.

تقول الزيات “النقطة الرئيسية من جديد أننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بداية في شيء ما خارج عن حدود هذه الأنا الضيقة”. هذا الإحساس والشعور بالانغماس في الكل، لازمها منذ طفولتها، فهي لم تنس يوما ما حدث لها في روضة أطفال المنصورة، عندما لاحظ الفتى عاري الساقين في البنطلون القصير، عزلتها وأنها تقف منزوية خارج الحلقة، وما كان يطل من عينها من استغاثات ونداءات له بأن يمدّ لها يده، وهو ما أدركه الطفل في النهاية “وفجأة وجدته يسحبني من يدي إلى داخل الحلقة، وهو لم يزل يتغنّى بالمقطع الموسيقي الذي يكمله الجميع. وأسلمت يدي الأخرى إلى البنت المجاورة، وانكسرت غربتي، وتحقق ما أردت دائما ومازلت أريد: أن أصبح جزءا من الكل وانطلقتُ منتشية أغني بأعلى صوتي مع الكل أغنية الكل”.

في ظل الانغماس في الكل/ الجماعة “يذوب إحساسها بجسدها كأنثى” فمشاركتها في الحركة الوطنية تحجب إحساسها بأنوثتها و”لم يعد جسدها يربكها، لم تعد تشعر أن لها جسدا، نسيت أنها أنثى على الإطلاق”، بل هذا الابتعاد عن الأنا والتحوّل إلى الآخر يظهر في استخدام الضمائر، فالمقطع السابق تعتمد فيه على ضمير الغائب وكأنها تريد أن تعمل مسافة سردية بينها وبين ذاتها، لا تريد أن تلتصق بها، فبقدر ما تنفصل عنها تلتصق بالآخر. فلا يتحقق لها وجودها كأنثى ودخولها عالم المرأة إلا من خلال التصاقها بالجمهور الذي تخاطبه في المقطع السابق بضمير الغائب، حيث “الناس تعيد صياغتها تمدها بقوة لم تكن لها أبدا، بثقة لا حدود لها، ترفعها على الأكف كالراية تنصبها مفكرة وزعيمة وتحيلها إلى أسطورة”.

فهي ترى أن لحظة ميلادها الحقيقية ليست التي سجّلتها “في 8 أغسطس 1923”، وإنما حين ولدت من عباءة الوصل الجماهيري، ومن الدفء والإقرار الجماهيري، لقد تحوّلت من بنت جميلة تحمل جسدها الأنثوي وكأنما هو خطيئة، إلى هذه الفتاة المنطلقة الصُّلبة القوية، والشيء المهم بعد هذه التجربة أنّها لا تشعر بأن السّجن «هزمها». أما الدرس المهم فهو أن هذه التجربة أتاحت للذات داخل السجن فرصة للتأمُّل والتدقيق في مسيرة هذه الذات، وقد يصل الأمر إلى المراجعة والتقييم.

17