في أوهام الحرب العقائدية

السبت 2015/02/21

أوهمْنا أنفسنا وأوهمَنا الآخرون بأننا نتعرض لحرب عقائدية يشنها الآخرون، الغرب بالتحديد علينا. لذلك كان علينا أن ندافع عن أنفسنا انطلاقا من ذلك الوهم بطريقة عقائدية، مثالية في تعصبها.

ضيقنا الطرق وضاقت بنا الطرق فلم نعد نرى أبعد مما انكببنا عليه جيئة وذهابا، بين ماض لم يعد قائما، وماض صار يؤلف عناصره من خوفنا على عقيدتنا وخوف الآخرين من العقيدة نفسها.

قبل أن يكون “الإسلام حلا” كانت حياتنا تجري في اتساق وتوازن وانسجام روحي بين عقيدة كانت في حقيقتها بمثابة موعظة منعشة للروح، وبين عقائد يحيط بنا هواؤها من كل جانب، وكنا على يقين من أنها لا تملك سهاما لكي تصيبنا بها في مقتل.

كانت العقيدة قبل أن يغلفها هاجس الخوف المتبادل ضرورة عيش لا تلزم أحدا بموقف من الآخر المختلف. وهو الآخر الذي لم يكن يومها قادرا على إملاء الهلع العقائدي علينا من بعد، بالإيحاء أو عن طريق السطو على خرافاتنا الملفقة واستعمال مفرداتها ألغاما لتفجير مجتمعاتنا من الداخل.

لقد اكتشف الآخرون أن حربا عقائدية يمكنها أن تكشف عن حجم تمزقنا وسعة تشرذمنا، وهي لن تكون سببا في توحيد صفوفنا. ذلك لأن موقفنا من العقيدة ومن الذات ومن الآخر من خلالها يقوم تاريخيا على الاختلاف المضمّخ بالدم.

ولأننا لم نأخذ في الحسبان أن عصر العقائد كان قد انتهى، فقد ركنا مصالحنا الاقتصادية التي هي عماد حياتنا جانبا، وبالغنا في اختراع بلاغة لا تمت للسياسة بصلة، وصرنا نحاجج عالما لم يكن في حاجة إلى أن يسمع خطابنا ليدرك أن ذلك الخطاب إنما يصدر عن كائنات لا تعيش عصرها، بل أنها لا تعيش في زمن بعينه. كائنات لا قدرة لها على اختراع سبل للنجاة من وهم العدو الذي يستعد لتدمير عقيدتها. أبهذا اليسر صنعوا لنا عدوا لم يكن له وجود على أرض الواقع؟

ولكن ما كان لذلك العدو أن يكون موجودا بقوة في عالمنا الافتراضي لو لم نكن مستعدين ثقافيا لاستقباله باعتباره هو الآخر ضرورة عيش. ولهذا يمكنني القول أن جزءا عظيما من ذلك الشبح كان من اختراعنا.

بقوة جذب ذلك الشبح خضنا غمار حروب، لم يكن فيها العدو مرئيا ولا واضحا. لذلك فقد استبدلنا العدو الذي فاجأنا غيابه بمن ينوب عنه من وجهة نظرنا. ذلك القريب الذي شعرنا في لحظة فقر خيالي أن وجوده يشكل تهديدا لوجودنا.

ولأن حروبنا العقائدية تقوم على أساس لا علاقة له بميزان الربح والخسارة، فقد كانت خسائرنا غير المكترث بها تضعف من قدرتنا على مواجهة الواقع الحي المتحرك. لم تكن الحياة وهي تتغير من حولنا لتعنينا في شيء. كل ما كان يهمنا أن تبقى العقيدة مصانة من عبث الأعداء الطامحين إلى هدمها. كنا، ولا نزال، نقيم في عالم مغلق تغذيه العقيدة المهددة بالفناء بأوهامها.

لقد توهمنا أن حوارا عقائديا مع العالم يمكنه أن يقدمنا إلى العالم بطريقة أفضل. فذلك الحوار الملغوم سيكون من وجهة نظرنا خير وسيلة لكي نُظهر أمام العالم وفاءنا لخصوصية تربيتنا العقائدية.

في حقيقته، فإن ذلك الحوار لم يرق إلى المستوى الذي ينصت إليه ويثق بسلامة وصحة أسبابه أحد في العالم. كانت ألغامه تنفجر تحت أقدامنا كلما مشينا خطوة من أجل التعريف بأنفسنا.

لم يكن الإرهاب صناعتنا في العصر الحديث، فإذا به يلتصق بنا كما لو أننا جلبناه من العدم ووهبناه هيئة صلبة صارت تجرح بسكاكينها الواقع الحي.

كان تماهينا مع كذبة الحرب العقائدية قد حولنا إلى كائنات مستفَزة، تخشى أن يكون الاهتمام بالمصالح بداية للانزلاق بها إلى هاوية التخلي عن العقيدة.

الآن وسط الكارثة التي نعيشها لا أعتقد أن أحدا بإمكانه أن يؤكد أن الإرهاب، وقد صار إسلاميا، بإمكانه أن يبقي على شيء من خيلائنا العقائدي. وهكذا نكون قد خسرنا في حمى اضطرابنا العقائدي كل شيء.


كاتب عراقي

9