في إيجاد الأسواق الجديدة ومكافحة الإرهاب: أفريقيا مجال هام للعرب

في الوقت الذي تنتبه فيه دول غير عربية إلى الساحة الأفريقية بشكل متزايد، يلاحظ في السنوات الأخيرة تراجع حجم الاهتمام العربي بهذه الساحة التي تمثل مجالا استثماريا هاما لا يتحدد فقط بالمنافع الاقتصادية، بل أيضا بتأمين المجال الأمني القومي العربي من تسرب الإرهاب من جنوب الصحراء. فبعد أن أشارت تركيا وكوريا الجنوبية إلى أهمية التعاون مع أفريقيا مؤخرا، أصبح الاهتمام بالمجال الأفريقي عربيا أمرا مهما أيضا.
الاثنين 2016/05/30
المجال مفتوح أمام العرب

تونس- جذب تصريح نائب وزير الخارجية التركي ناجي كورو المتعلق بتطور العلاقات التركية الأفريقية انتباه العديد من المراقبين العرب بخصوص الروابط الاقتصادية والثقافية والسياسية الاستراتيجية التي تجمع المنطقة العربية بأفريقيا، خاصة وأن القارة السمراء تعد محط أنظار عدد هام من القوى الدولية في مجال الطاقة والاستثمارات الفلاحية والمواد الأولية والبنية التحتية.

فقد قال كورو في مؤتمر صحافي له – على هامش مؤتمر “مراجعة برنامج عمل إسطنبول للبلدان الأقل نموا” الذي بدأ أعماله آخر الأسبوع الماضي – إن “علاقات بلادنا مع أفريقيا تشهد نموا كبيرا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يوما بعد يوم”، مشيرا إلى أن “تركيا تولي أهمية بالغة للقارة السمراء”.

ليست تركيا فقط هي التي تسعى إلى تثبيت نفسها كلاعب دولي داخل عدد من الدول الأفريقية، فكوريا الجنوبية تدخل على الخط مؤخرا لجلب انتباه سلطات عدد من دول أفريقيا للقيام باستثمارات مشتركة تكون فيها أفريقيا الداعم الرئيسي فيها بالقوة العاملة البشرية والطاقة؛ إذ تعهدت رئيسة كوريا الجنوبية بارك كون هيه بتقديم بلادها خطة تنموية من مسارين لتوفير فرص عمل لـ10 آلاف شاب من شباب أفريقيا، خلال السنوات الـ5 القادمة، 6 آلاف منهم سيتلقون التدريبات في كل من كوريا وأفريقيا.

جاء ذلك في كلمة ألقتها رئيسة كوريا الجنوبية في مقر الاتحاد الأفريقي، بحضور رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي دلاميني زوما بأديس أبابا. وأكدت كون هيه التزام بلادها ببناء شراكة تعاونية اقتصادية شاملة مع أفريقيا بمساهمتها بخبراتها التنموية في القارة الأفريقية.

المثالان التركي والكوري يطرحان العديد من التساؤلات حول مدى الحضور العربي في المجال الأفريقي، ليس فقط على المستوى الاقتصادي الاستثماري أو أحجام المبادلات التجارية وغيرها، بل حتى من ناحية التأمين الاستراتيجي للمجال العربي من الإرهاب، فقد تحولت أفريقيا جنوب الصحراء إلى مجال واسع لعيش الجماعات الإسلامية المتطرفة التي وجدت في القبائل وضعف الدولة مناخا للنمو والتطور، كما لا يمكن غض النظر عن النشاط الإيراني في بعض تلك الدول مثل نيجيريا، وهذا ما يجب الانتباه إليه.

أهمية القارة الأفريقية تبرز في أنها تضم ثلثي الشعب العربي، وهو جـزء أساسـي مـن المجال الممتد من المحيط إلى الخليج

هناك روابط عديدة تجمع بين الدول العربية والأفريقية، وهي روابط جغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية. وتبرز أهمية القارة الأفريقية عربيا باعتبارها تضم نحو ثلثي الشعب العربي، ويشكلان جـزءا أساسـيا مـن الوطن العربي الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي عبر الصحراء وشريط ساحل البحر الأبـيض المتوسط. وقد أسس هذا التماس الجغرافي الطريف للتقارب العربي الأفريقي الذي كان قائما منذ عصور قديمة في التاريخ بين شبه الجزيـرة العربيـة ومنطقة الخليج العربي من جهة، والقرن الأفريقي وبلدان شرق أفريقيا من جهة أخرى. والعلاقات نفسها كانت موجودة بين دول شمال أفريقيا ودول الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا.

ترجع الجذور التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية إلى ما قبل ظهور الإسلام حيث كان المجتمع العربي الجاهلي يزخر ببعض المجموعات الأفريقية التي استقرت بين العرب وانصهرت في بوتقة القبائل العربية عن طريق الولاء والانتماء الكامل، وبعض هذه المجموعات شقت طريقها إلى الجزيرة العربية لعوامل غير الرق والغزو. وكان الأحباش (وهم سكان بلاد القرن الأفريقي في الصومال وبلاد الحبشة وإريتريا) أكثر من وفد إلى جزيرة العرب قبل الإسلام، وتأثرت هذه المجموعات التي وفدت من الساحل الأفريقي بالثقافة العربية. ومن ناحية أخرى ساعد الغزو الحبشي لليمن على دعم الديانة المسيحية التي ساندها الأحباش.

وقد أدى ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي إلى ازدياد الاتصال العربي الأفريقي؛ فقد أمد الإسلام العرب بسياج ديني وفكري ساعدهم على خلق وحدة وطنية وعلى ازدهار النهضة الثقافية، وخرج العرب لنشر الدين في الشمال والغرب والشرق، وتمكنوا من الانتشار في أجزاء كبيرة من القارة الأفريقية، وأدى هذا التطور إلى حدوث نقلة نوعية في تاريخ العلاقات الثقافية بين العرب والأفارقة.

مجالات استثمارية هامة

كوريا الجنوبية تدخل على الخط مؤخرا لجلب انتباه سلطات عدد من دول أفريقيا للقيام باستثمارات مشتركة

تكمن أهمية المقاربة التاريخية والجغرافية في وضع العلاقات بين القارة الأفريقية وباقي دول العالم في مقارنة مع علاقاتها بالمنطقة العربية. فمن خلال التركيز على أن القرب الجغرافي العربي الذي أسس لعلاقات عميقة بين شعوب المنطقتين يمكن استنتاج بعض التقصير العربي تجاه فرصة النفاذ إلى الأسواق الأفريقية التي يمكن أن تمثل بديلا جديدا للأسواق الأوروبية والأميركية والآسيوية بالنسبة للقوى العربية المنتجة للطاقة كدول الخليج والمنتجة للقوة البشرية في الإدارة والتحكم مثل مصر والمغرب العربي؛ إذ تؤكد الأرقام أن أهم وجهة بالنسبة للكفاءات الإدارية والعلمية في بعض دول المغرب العربي تتوجه إلى أوروبا أو أميركا الشمالية متناسية أفريقيا التي تعتبر مجالا خاليا من المنافسين الأقوياء وتمثل فرصة للمنفعة المتبادلة.

أصدر البنك العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا في دارسة جديدة أصدرها بعنوان “سبل تشجيع الاستثمار العربي في أفريقيا” بعض النتائج المتعلقة بأهمية المجال الاستثماري في أفريقيا من خلال استعراض مجالات العمل مثل الاستثمارات التكاملية بين الدول العربية والدول الأفريقية في قطاعات الإنتاج الزراعي بما فيها توفير الموارد المائية والبنية التحتية المصاحبة لهذا الإنتاج، كذلك في مجال الاستثمارات الإنتاجية الأخرى في قطاعات البترول والمعادن والسياحة والبنية التحتية والاتصالات والتعليم والصحة وغيرها. وأكدت دراسة المصرف العربي للتنمية أن كل هذه المجالات حظيت باهتمام عربي في وقت من الأوقات لكنها الآن تشهد تراجعا في تدعيمها وزيادة الاستثمار فيها وتدخل لاعبين دوليين آخرين. وربما سينعكس ذلك على تمدد العرب في أفريقيا.

تدل التواريخ الواردة في الدراسة على أن جل المؤسسات الاستثمارية العربية في أفريقيا كانت قد بعثت في فترات الستينات والسبعينات ثم لم تظهر مؤسسات ذات شأن بعد ذلك سوى بشكل نادر. فقد كانت المنطقة العربية تزخر بمؤسسات تمويلية وإنمائية فعالة مثل الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية الذي تم إنشاؤه عام 1961 والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي عام 1967، وصندوق أبوظبي للتنمية عام 1971، والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا عام 1973 والصندوق السعودي للتنمية عام 1974، والبنك الإسلامي للتنمية عام 1975 وصندوق النقد العربي عام 1976 وصندوق الأوبيك عام 1976.

كما توجد مؤسسات أخرى مساندة لأنشطة الاستثمار كالمؤسسة العربية لضمان الاستثمار، وقدمت هذه الصناديق 6.12 مليار دولار لتــمويل 1799 مشروعــا في دول أفـريقية.

كما تضم المنطقة العربية العديد من صناديق الاستثمار الخاصة والبنوك التجارية ذات المستوى العالمي القادرة على توفير وإدارة الموارد والتي كانت تنشط بقوة في أفريقيا في السنوات التي تلت تأسيس تلك المنظمات الاقتصادية، لكنها بدأت الآن في التراجع. وكانت هذه المؤسسات تلعب دورا متزايدا في الاستثمار في أفريقيا، وقد أشارت دراسة المصرف العربي للتنمية إلى ضرورة تفعيل القوة العربية في أفريقيا عبر تحديد استراتيجية جديدة للاستثمارات.

أفريقيا والإرهاب

موضوع الإرهاب والمساحة الاستثمارية الكبرى لأفريقيا يشكلان مجالا هاما لتفكير العرب في هذه القارة التي يمكن أن تتحول إلى مجال استراتيجي اقتصادي وأمني هام

لا يمكن، عند الحديث عن أفريقيا، تجاوز معضلة الإرهاب التي تؤرق الأجهزة الحكومية الأفريقية والدولية، بما في ذلك الجيش الفرنسي والأميركي والبريطاني والقوات الأممية. هذه المعضلة تمس بشكل مباشر الأمن القومي العربي الذي ترسم ملامحه الرئيسية على الأطراف الشرقية في التماس مع إيران والأطراف الغربية في التماس مع المناطق الساخنة جنوب الصحراء، خاصة على مستوى الخط الرابط بين جنوب السودان والحدود الموريتانية من جهة الجنوب.

إذ تقول التقارير الأمنية المتطابقة لعدد من الدول إن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي قد تحول إلى كتائب متفرقة بين صحارى عدد من الدول مثل موريتانيا ومالي وتشاد والنيجر علاوة على وجوده في الجزائر، إضافة إلى وجود بعض المقاتلين الاستطلاعيين في ليبيا. كما تمكن تنظيم داعش من تأسيس نواتات عاملة له في المنطقة للتنافس مع القاعدة وافتكاك مجال النفوذ الجهادي الذي يوفر فرصة ربح مادية كبيرة عبر أعمال التهريب وتجارة السلاح والمخدرات والمطالبة بالفدية باختطاف السياح. وقد وصل الأمر إلى حدود رسم خط مباشر بين بحيرة تشاد وشمال شرق نيجيريا يصل المنطقة بمدينة سرت الليبية، حيث يقوم هذا الخط بمهمة إخراج وإدخال المقاتلين للتدرب والعودة، كما يمثل ممرا لتدفق السلاح.

هذا الواقع الأمني الخطير يمس بشكل مباشر من الأمن العربي في نقطتين استراتيجيتين مهمتين؛ الأولى هي أن العناصر الجهادية تستعمل أفريقيا جنوب الصحراء كمكان لتكونها ونموها وتطوير قدراتها بما أنها مناطق خارج السيطرة الحقيقية للدولة، والثانية هي أن وجود تلك العناصر يستدعي التدخل الأجنبي، ما يجعل القرارات السيادية لتلك الدول ضعيفة في صالح قرار الدولة العظمى التي تسيطر على ذلك المجال، ومن خلال هذه المعادلة الأمنية والجيوسياسية لا يمكن للقوة العربية أن تنفذ بسهولة أو على الأقل التفاوض بشكل ملائم للتوصل إلى اتفاقيّات ترضي مصالح جميع الأطراف.

يشكل موضوع الإرهاب والمساحة الاستثمارية الكبرى لأفريقيا مجالا هاما لتفكير العرب في هذه القارة التي يمكن أن تتحول إلى مجال استراتيجي اقتصادي وأمني هام إذا عرفوا كيفية التحكم في العلاقات معها وتطويرها بشكل مستمر.

6