في استحالة الحجر الصحي الفعال في الجزائر

ماذا تنتظر السلطة من الأسلوب اللاعقلاني في مواجهة انتشار الوباء وعدد الإصابات والوفيات يزداد ارتفاعا كل يوم والمستشفيات عاجزة ورجال ونساء الصحة يستغيثون؟
الجمعة 2020/04/10
رداءة المنظومة الصحية

لقد عرى وباء كوفيد- 19 حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية وهشاشة الهياكل والمؤسسات الجزائرية، وما كان مستورا من رداءة المنظومة الصحية أصبح ظاهرا للعيان غير قابل للطمس. وعلى عكس ما يروجه الخطاب الرسمي الرئاسي والحكومي والإعلامي لا مجال للحديث عن ذلك “التحكم الموهوم في الوضع” واستعراض العضلات الخطابية التي ملّ الجزائريون سماعها ولم تعد تقنع أحدا منهم. فلا جزائري غير مطلع على وضع المستشفيات المزري وعدم قدرتها الإدارية والاستقبالية والبشرية والعلاجية على مكافحة هذا الوباء الخطير.

وبدل محاولة الاستعداد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يحاول النظام تأثيم الجزائريين متهما إياهم باللامبالاة تجاه الفايروس وعدم البقاء في منازلهم من أجل الحد من انتشاره. ولكن هل التزمت الحكومة بتقديم الضمانات الضرورية وتوفير كل الشروط ليتسنى للمواطنين الجزائريين احترام الحجر الصحي في ظروف طبيعية؟

بادئ ذي بدء لم تحترم السلطة الهدنة المتفق عليها ضمنيا ما بينها وبين الحراكيين، ولم تقم بأي مبادرة تهدئة تجاه المجتمع المدني بل استفزت الأغلبية باعتقال صحافيين بتهمة نشر أخبار خاطئة عن انتشار الفايروس في البلد ومحاكمة المناضل كريم طابو دون إبلاغ محاميه والحكم عليه بسنة سجن نافذة وهو موجود في مصحة المحكمة بعد ما أغمي عليه من شدة الضغط والظلم. وقد تم أيضا الزج بالصحافي خالد درارني في السجن بتهم واهية بينما السبب الحقيقي هو نشره لمقالات عن الحراك وصور المحتجين الجمعة والثلاثاء في إطار الحراك الشعبي.

وتتواصل المحاكمات دون أخذ بعين الاعتبار للوضعية الوبائية والأخبار التي تتحدث عن وصول الفايروس إلى بعض السجون. وهو ما فسره الكثيرون بأن السلطة تستغل هذا الوضع الكارثي لتصفية حساباتها مع أهل الحراك. وعلى الرغم من إصدار عفو لصالح 5000 من المسجونين فقد وضعت السلطة شروطا مبيتة من أجل عدم استفادة سجناء الرأي الذين وصل عددهم، حسب تقديرات منظمات حقوقية، إلى حوالي 1200 حالة موثقة.

السلطة تعرف إمكانياتها معرفة جيدة لذلك لم تجرؤ على فرض حجر صحي شامل وعام لأن ذلك يتطلب قدرة كبيرة على التكفل بمأكل ومشرب الناس

لم تقدم السلطة أي وعود بتعويض الأجراء اليوميين ولا التجار الصغار الذين تطلب منهم البقاء في منازلهم. فكيف يمكث في البيت من لا يملك قوت يومه وهو مضطر لأن يكافح كل يوم من أجل إطعام عائلته بامتهان مختلف الأعمال البسيطة؟

ومن جهة أخرى ما سرّ فرض حجر صحي من الثالثة مساء إلى السابعة صباحا في 9 محافظات، ومن السابعة مساء إلى السابعة صباحا في كامل المحافظات الأخرى؟ ما هي إستراتيجية السلطة في التصدي لانتشار الوباء؟

بما أن السلطة تعرف إمكانياتها معرفة جيدة لم تجرؤ على فرض حجر صحي شامل وعام لأن ذلك يتطلب قدرة كبيرة على التكفل بمأكل ومشرب الناس، وقد لاحظت الفوضى الكبيرة والتوزيع العشوائي لبعض المواد الغذائية في منطقة البليدة حيث بدأ الحجر أولا. كما أنها لا تستطيع تحمل مسؤولية عدم اللجوء إلى الحجر أو ما يعرف بـ”مناعة القطيع” خوفا من تكاثر الإصابات كما حدث في بريطانيا، والاصطدام بضعف إمكانيات الاستقبال في المستشفيات وشح الوسائل العلاجية.

وهكذا لم يبق أمام النظام سوى سياسة مسك العصا من الوسط وانتهاج الحجر الصحي الجزئي والذي لا طائل من ورائه، إذ يشجع ذلك خروج الناس بكثافة في نفس الوقت لقضاء حاجاتهم قبل الثالثة زوالا، وبالتالي يساهمون في انتشار الوباء بينهم. فكأن الفايروس يكون نائما في النهار كما يتهكم الجزائريون، فماذا تنتظر السلطة من هذا الأسلوب اللاعقلاني في مواجهة انتشار الوباء وعدد الإصابات والوفيات يزداد ارتفاعا كل يوم والمستشفيات عاجزة ورجال ونساء الصحة يستغيثون؟

9